الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
أكل لحوم البشر

بواسطة azzaman

أكل لحوم البشر

شيرزاد نايف

 

قد يبدو هذا العنوان صادماً أو حتى مقرفاً للوهلة الأولى، وأعتذر للقارئ الكريم إن أثار شيئاً من النفور، غير أن اختيار هذا المانشيت ليس سعياً وراء الإثارة، بل لأن الخطاب الإعلامي العالمي نفسه بات يستخدم صوراً قاسية لوصف تحولات تهز الوعي الإنساني. جيل السبعينات والثمانينات يتذكر هذا العنوان كاسم فيلمٍ سينمائي من أفلام الرعب، حيث كان “أكل لحوم البشر” آنذاك خيالاً متطرفاً يُستهلك للمتعة لا للتصديق. لكن الزمن حوّل هذه الصورة إلى استعارة سياسية وفلسفية أعمق: فالإنسان لا يحتاج إلى أن ينهش الجسد كي يمارس الافتراس، بل يكفي أن يلتهم الإرادة، ويصادر القرار، ويحوّل البشر إلى أدوات داخل لعبة أكبر منهم.

في هذا الإطار، تبدو “اجزيرة الشيطان” — بوصفها رمزاً لا مكاناً — مسرحاً ذهنياً لإدارة الصراع على النفوذ، حيث تتقاطع السياسة بالعلم، والإعلام بالقوة، في مشهد يشبه تسونامي من التحولات المتسارعة. هناك تتشكل سرديات كبرى عن الأمن والاستقرار والتقدم، بينما تعمل في الخلفية آليات معقدة لإدارة المصالح. فكرة “المؤامرة” هنا لا تُقرأ كحكاية سرية بسيطة، بل كاستعارة لنظام عالمي تحكمه شبكات تأثير تسعى — بطبيعتها — إلى مسك زمام الأمور، وإعادة توزيع السلطة بما يضمن استمرار هيمنتها. إنها عملية لا تعتمد دائماً على العنف المباشر، بل على إعادة تشكيل الوعي، وتوجيه الأولويات، وصناعة القبول.

توصيف مجازي

أكل لحوم البشر (الأطفال) ماعدا اغتصاب الجسد لفتيات قاصرات، في هذا السياق يصبح توصيفاً مجازياً لمرحلة تبتلع فيها السلطةُ الإنسانَ باسم النظام، وتُبرَّر فيها القسوة بلغة المصلحة العليا. حين تتحول القرارات الكبرى إلى معادلات نفوذ مجردة من بعدها الإنساني، يبدأ افتراس من نوع آخر: افتراس الحق في الاختيار، وتآكل العدالة، وتشييء المجتمعات داخل خرائط القوة. هكذا تتبدى الحضارة كواجهة لسباق دائم على السيطرة، حيث يُختبر الضمير أمام إغراء الهيمنة، ويُقاس التقدم بمدى القدرة على التحكم لا بمدى احترام الإنسان.. السؤال السياسي الفلسفي لا يكمن في وجود إدارة للصراع — فذلك جزء من طبيعة السلطة — بل في حدودها الأخلاقية: متى تتحول الإدارة إلى افتراس؟ ومتى يصبح الحفاظ على النفوذ مبرراً لالتهام القيم ذاتها؟ إن أخطر ما في هذا المشهد ليس الصراع بحد ذاته، بل تطبيع فكرة أن الغاية تبرر الوسيلة، وأن استقرار المنظومة أهم من كرامة الإنسان. عند هذه النقطة، يصبح “أكل لحوم البشر” ذروة رمزية لانحدار تمارسه الأنظمة حين تنفصل عن مساءلة الضمير.

في النهاية، لا يشير العنوان إلى رعبٍ جسدي بقدر ما يفتح نافذة على رعبٍ سياسي وجودي: عالم قد يتقدم علمياً بسرعة التسونامي، بينما يتباطأ أخلاقياً. وبين هذين المسارين يقف الإنسان، مهدداً بأن يصبح مادة في معادلة سلطة لا يملك مفاتيحها. إن مقاومة هذا الافتراس لا تبدأ من كشف مؤامرة بعينها، بل من إعادة الاعتبار لفكرة أن السلطة — مهما اتسعت — يجب أن تبقى خاضعة لإنسانية الإنسان، وإلا وجدنا أنفسنا، ونحن نظن أننا ندير العالم، نلتهم ما تبقى من روحنا الجماعية.

 


مشاهدات 41
الكاتب شيرزاد نايف
أضيف 2026/02/09 - 4:38 PM
آخر تحديث 2026/02/10 - 12:15 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 23 الشهر 6954 الكلي 13938598
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/2/10 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير