الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
سياسة التخدير في قرارات إلهاء الشعب لا لحل الأزمات

بواسطة azzaman

سياسة التخدير في قرارات إلهاء الشعب لا لحل الأزمات

محمد عرب السامرائي

 

في الدول التي تحل مشاكلها وأزماتها بشفافية، يصدر القرار السلطوي وسيلة لاضطلاع السبب، اما في الدول التي تزداد فيها المشاكل والإخفاقات، فيتحول القرار الى أداة لإدارة التوجيه والانتباه، فهنا لا يكون السؤال ما هو القرار الذي صدر؟ بل لماذا صدر الآن؟ ولماذا هذا القرار بالذات؟ ففي العراق وما حدث في حقبة الاستقرار الأخيرة، لا يمكن عزل وإبعاد كم القرارات والإجراءات التي شهدها الشعب والمتلقي مؤخراً عن الإطار العام الذي تسري فيه الدولة، فبين تأخير مستمر تقوم به الجهة السلطوية، وعجز متكرر في استكمال الاستحقاقات الدستورية، وإزمان أزمات الخدمات والبطالة، إذ يلاحظ المتابع إن النقاش العام المعلن كثيراً ما يدفع ويدار باتجاه قضايا أخرى، اقل خطورة، لكنها أكثر قابليه للتحريك الإعلامي وإشعالها.فهذا النمط ليس عفوياً ودون دراية دائماً، وهذا ما يمكن أن نسميه بـ سياسة التخدير: سياسة لا تقوم على المعالجة والتسوية، بل تقوم على الهاء الشعب، لا تعالج أساس الأزمة، بل تستهلك طاقة الشعب في معترك جانبي بفتح وغلق بسرعة، بينما الملفات التي يجب أن تحل تؤجل.

قرارات مثيرة للجدل

في أوقات حساسة، دائما ما نلاحظ شهود الشارع العراقي لقرارات تثير الجدل، وتشغل الراي العام لأوقات محددة أيام أو أسابيع، قرارات تتعلق بتغيير إداري، او إجراء تنظيمي او قضايا اجتماعية، تقدم فجأة بوصفها لها الأولوية القصوة والتي تعالج الأزمات، اذ في خصم هذا الجدل تغيب عن الأفكار اسأله اكثر أهمية وإلحاح: لماذا لا يستعمل السقف الزمني في إقرار الموازنة؟ لماذا تغيب مشاريع أساسية رغم توفر الموارد؟ من هو المسؤول عن الفراغ عناصر القرار؟

ان الملفت في امر اختفائها ليس لإنها حُلت، بل لإنها أخفيت وأزيحت من الواجهة، فالحوار والرأي العام حين ينشغل في تفاصيل ثانوية، لا يمكن لان يكون قادراً على المواجهة والضغط باتجاه الملفات الأساسية والاستراتيجية، وهنا تبدأ أخطر المراحل التي يمر فيها الفساد الإداري الا وهي حين لا يحتاج الفساد الى دفاع، وذلك لان لا احد يسأل، على ان هذه الصور قد عوقب عليها القانون وأوضحها في قانون النزاهة والكسب غير المشروع رقم 30 لسنة 2011 والذي يجرم استغلال المناصب للمنفعة الشخصية والإخلال بالواجبات الوظيفية. أحد أكثر الأمثلة وضوحاً والذي يوضع التعامل مع ملف الموازنة العامة، فالموازنة في أي دولة واصلة هذه المرحلة من التطور الفقهي والقانوني تكون هي انعكاس أولوياتها، والتأخر في إقراراها ليس خلاًلاً تقنيا، بل هو ما يعد قراراً سياسياً وإدارياً وله أثر سلبي على حياة الشعب، ومع ذلك نادراً ما يحتل هذا الموضوع نقاشاً يتناسب مع خطورته، اذ سرعان ما يختفي خلف عناوين تطرح أمام الناس تستهلك إعلاميا. إذ إن هذا الأمر ينطبق أيضا على موضوع تشكيل الحكومات واستكمال المواقع العليا، فالتأخير في تشكيل الحكومة لا يعد فقط تعطيل القرار، بل خلق فراغ إداري يودي الى تضارب في الصلاحيات والمناصب، اذ تضعف القدرة على المحاسبة الرصينة وإمكانية ضبط كل القرارات التي تمرر، ومع ذلك أيضا يمرر هذا الموضوع في كثير من الأحيان كأمر اعتيادي، بينما تُضخ وتدفع قضايا أخرى لتكون محور الجدل. وفي هذا السياق، يبرز ملف ارتفاع الدولار كأحد الأمثلة العملية التي يمكن ان نوضح بها سياسة التخدير، فكل قفزة في سعر الصرف تبرز مباشرة على حياة المواطنين، الدواء، أسعار الغذاء، الإيجارات، الخدمات الأساسية، ومع ذلك غالباً ما يركز الإعلام ويوجه اهتمامه على قفزات الدولار اليومية، بينما تتراجع خلف الكواليس اسأله أعمق تتعلق ببنية الاقتصاد ونظام الحوالات وغياب اليات الحماية المالية. ومن هنا يظهر دور قانون البنك المركزي رقم 56 لسنة 2004 الذي يمنح البنك صلاحيات حماية العملة والمسائلة وتنظيم سوق الصرف، ورغم ذلك فأن بعض فترات تقلب الدولار لم تلازم تدابير فعالة لضبط الحوالات والحد من الاستفادة الغير قانونية التي تحدث من فروق الصرف، وهذا ما يعكس ضعف تطبيق القوانين أثناء الأزمات.

في هذا النطاق، يتحول الدولار من مجرد دلالة اقتصادية الى أداة تخدير جماعي، اذ ما يجعل المواطن ينشغل في تأمين احتياجه اليومي، بينما تمر قضايا هيكلية بصمت نسبي: ضعف الرقابة على الحوالات، الفجوات التنظيمية في السوق غياب سياسة الوقاية الحقيقية والتي تمنع الاستفادة غير المشروعة.

فساد مقنع

في ظل هذا الإلهاء، تظهر أخطر أشكال الفساد الإداري: الفساد المقنع، تمرير القرارات لخدمة منفعة شخصية، استغلال المناصب، تضارب المصالح، كلها تجد مرتعها حينما ينشغل الشعب بالقضايا اليومية، وتضعف الرقابة المجتمعية.

الأكثر أهمية والأخطر في موضوعنا، ان سياسة التخدير لا تحتاج الى خرق واضح للقانون، فهي غالباً تعمل داخل الإطار المشرع والقانوني، مستفيدة من السلطة التقديرية للإدارة، اذ ما نعرفه ان القانون لا ينظر الى شكل القرار بل الى غايته، لذا القرار الذي يصدر لإلهاء الشعب عن إخفاقات جوهرية موجودة، او لتخفيف الضغط الذي يحدث لمسؤولية قائمة، يفقد عنصر المشروعية، وقد يجعله قرار منحرف.

إن تكرار هذا الأسلوب يستنزف طاقة المواطن وينتج إرهاق عام، وما يجعل الشعب لا يميز بين المهم والهامشي، ومع الوقت تصبح الأزمات هي من الأمور الاعتيادية وجزء من الخلفية، ليست محط للمساءلة.

ومن هنا يتضح ان الخطورة الحقيقية هي تطبيع الفشل، الا وهي حينما يتعود الشعب على التأجيل، تبديل الأولويات، وغياب الإجابات، اذ هنا يتحول الاستثناء الى أصل، ومن ازمه الى وضع متعايش معه الشعب.

ان الحديث في العراق عن سياسة التخدير لا يعني عدم وجود إصلاحات مطلوبة او قرارات ضرورية، لكنه استنتاج وتوصية لدعوة صريحة لترتيب جدول الاهتمامات العامة، فالدولة التي تدار عبر إثارة الجدل للتغاضي لا تُصلح، والتي تؤجل الأسئلة الجوهرية عبر قرارات ثانوية وذات صخب إعلامي، لا تبنى ثقة.

ما يحتاجه المجتمع اليوم ليس كثيراً من القرارات، بل قرارات في وقتها الصحيح وموضوعها الصحيح، ليس كثيراً من العناوين، بل إجابات صريحة عن الملفات المؤجلة، فالمجتمع التي لديه صورة عن موقف دولته اقل قابلية من التخدير، وأكثر استطاع على المحاسبة.

في نهاية المطاف، يبقى السؤال القائم والذي لا ينبغي ان يغيب، هل تصدر القرارات لمعالجة الأزمات؟ أم لإدارة وعي المجتمع اتجاه ما تعمل؟

فالاقتصاد الذي يسير في الأزمات لا يصلح، والمجتمع الذي يُضعف بالغلاء يكون صعب عليه ان يراقب، وهنا بالتحديد، تتحول الأزمات السياسية والاقتصادية كم خلل وقصور الى أداة إلهاء جماعي متعمدة او غير مقصودة.

محامٍ وباحث في القانون العام

 


مشاهدات 34
الكاتب محمد عرب السامرائي
أضيف 2026/02/09 - 4:35 PM
آخر تحديث 2026/02/09 - 11:50 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 23 الشهر 6954 الكلي 13938598
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/2/10 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير