الذكاء الصناعي وافلاس العقل البشري
ماهر نصرت
يشهد العالم تحولاً عميقاً لا يقل خطورة عن التحولات الكبرى التي غيرت مسار التاريخ الانساني اذ لم يعد الذكاء الصناعي مجرد اداة تقنية مساعدة بل أصبح فاعلاً في اعادة تشكيل الوعي والمعرفة والابداع ومع هذا التحول تتعرض واحدة من اعقد السمات البشرية وهي الابداع الشخصي الى خطر الاضمحلال التدريجي فالذكاء الصناعي لا ينافس الانسان في القوة الحسابية فحسب بل ينازعه في لغته واسلوبه ومنطقه وحتى في قدرته على انتاج المعنى .
ان جوهر الازمة لا يكمن في ان الذكاء الصناعي ينتج نصوصاً جيدة بل انه ينتج نصوصاً تبدو متقنة ومقنعة الى حد الغاء الحاجة للعقل البشري المتخصص فاليوم يستطيع اي فرد بغض النظر عن مستواه العلمي او الثقافي ان يكتب مقالاً اكاديمياً او تحليلاً فلسفياً او خطاباً سياسياً مُحكماً ويتغلب فيه على الكُتاّب والادباء وأساتذة اللغات العربية دون ان يمتلك ادنى ادوات التفكير الثقافي التي انتجت هذه النصوص ، وبهذا المعنى لا يقوم الذكاء الصناعي برفع الافراد علمياً بل يقوم بتوحيدهم ضمن مستوى معرفي واحد يلغي فيه الفروق الكتابية العلمية والادبية بين الانسان الأُمي والبروفسور .
لقد قامت الطبقية العلمية عبر التاريخ على التراكم والخبرة والمعاناة الفكرية وعلى سنوات طويلة من القراءة والتجربة والاخفاق ومن ثم النجاح غير ان هذه البنية تتفكك اليوم بهدوء فالمعرفة لم تعد تتطلب زمناً ولا تضحية ولا مجهوداً ذهنياً عميقاً ، بل اصبحت خدمة فورية تقدم عند الطلب .
وفي هذا السياق يفقد الابداع معناه الحقيقي فالإبداع ليس اعادة تركيب بيانات سابقة بل هو خرق للمألوف وتجاوز للسائد ، بيد ان الذكاء الصناعي قائم في جوهره على اعادة تدوير المخزون المعرفي البشري بصيغ جديدة ظاهرياً فقط وعندما يعتمد الانسان على هذه الادوات في الكتابة والتحليل والتعبير فانه يتخلى تدريجياً عن ملكاته الاصلية ويستقيل من دوره كمبدع ليصبح مجرد مشغل لمنظومة تنتج نيابة عنه ومع مرور الزمن تتكلس القدرة لديه على التفكير المستقل ويتحول العقل الى تابع واسير وعبد الى الذكاء الصناعي .
ان اخطر النتائج المترتبة على اقتحام الذكاء الصناعي للبشرية هي الغاء الادوار التقليدية للكاتب والاديب والمعلم فهؤلاء كانوا يمثلون الوسيط بين المعرفة والمجتمع اما اليوم فقد تم تجاوزهم لصالح وسيط دولي واحد قادر على الشرح والتلخيص والتأليف والاجابة بدلاً عنه بلا تعب ولا حدود و( دوخة راس ) كما يقولون في المثل العامي ، وبهذا نحن مقبلون على عصر تغرق فيه المكتبات ودور النشر بمليارات الكتب والبحوث الجامعية والمقالات التي لم يكتبها بشر بشكل فعلي مما تفقد الكتابة قيمتها الرمزية ولم تجد احد يقرأ فيصبح تجعل التمييز بين الفكر الاصيل والانتاج الآلي امراً شبه مستحيل ولذا انصح الجامعات التي تمنح الشهادات العليا ان يجبروا طلابهم على انشاء بحوثهم الورقية داخل الجامعة بعد ان تقطع عنهم كافة الاتصالات الخارجية لينشأ رسالته أو اطروحته امام انظار مسؤوليه ولا يسرقها من الذكاء الصناعي فيظهر عندها الطالب الحريص الذكي من الكسول الغبي الذي يعتمد على اموال آبائه في تأليف البحث لدى المكاتب التجارية .
هذا ويمكن النظر الى الذكاء الصناعي بوصفه نواة لنظام جديد لا يقوم على الغيب بل على الخوارزمية ، فهو نظام يدعو الى توحيد مصادر المعرفة والغاء الطقوس الفكرية المتنوعة والانخراط في منظومة عالمية موحدة ذات تعليمات مشتركة لا تحتمل الاختلاف العميق ولا التجربة الفردية فهذا النظام يشبه الدين الابراهيمي الجديد الذي يريد أن يلغي الخصوصيات الدينية ويستبدلها بطقوس موحدة تجمع كل البشرية في نظام ديني واحد .
ولا يتوقف هذا التحول عند حدود الفكر المجرد بل يمتد الى المهن الابداعية التطبيقية فالمهندس والمصمم والمترجم والقانوني والمصور والمعلم لم يعودوا اصحاب سلطة معرفية حصرية اذ اصبح بإمكان اي فرد ان يحصل على المعلومات والتصاميم والافكار الصناعية الجديدة التي يأخذها من الذكاء الصناعي وينفذها في الواقع العملي .. وفي الحقيقة ستبقى المصانع الكبرى سيدة الصناعة الدولية وتبقى المجتمعات بحاجة الى تلك المصانع لحاجتها الى الطائرات والسيارات والسفن ، أي سنبقى بحاجة الى الدول الغربية صاحبة المصانع الكبرى والانتاج المهول ....