الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
قراءة في "تحوّلات" حميد سعيد.. عند برزخ الصباح: الفقر بوصفه زمنًا مؤجَّلًا


قراءة في "تحوّلات" حميد سعيد.. عند برزخ الصباح: الفقر بوصفه زمنًا مؤجَّلًا

لهيب عبدالخالق

 

في قصيدة «تحوّلات» يكتب حميد سعيد الزمن لا بوصفه تعاقبًا للأحداث، بل بوصفه كيانًا ينكشف على مهل داخل مشهد إنساني شديد البساطة: رجلٌ يجلسُ كلّ صباحٍ، وامرأةٌ تمرّ، ثم تعودُ، ثم تغيبُ، ثم تعودُ أخرى… أو هي نفسها وقد انشطرَ حضورُها إلى أكثر من زمن.  بهذا الاقتصاد المشهدي، لا يُقدَّمُ الزمنُ كخلفيةٍ صامتة لما يحدث، بل كقوةٍ خفيّة تعمل داخل العلاقات، وتعيدُ ترتيبها من دون أن تغيّرَ المكان.

فما يبدو للوهلة الأولى حكاية فقرٍ يومية، يتحوّلُ في عمق النصّ إلى بنيةٍ وجوديةٍ، حيث لا يُقاس الزمنُ بما يمضي، بل بما يتحوّلُ، وبمن يُسمح له أن يتحوّلَ، ومن يُتركُ خارج هذا التحوّلِ.  فالفقرُ هنا لا يعمل كموضوع سردي، بل كشرطٍ كاشفٍ لعلاقةٍ غير متكافئةٍ مع الزمن نفسه، حيث يتحوّلُ الانتظارُ إلى قدرٍ، والتحوّلُ إلى امتياز. *(الازدواج الأنطولوجي للزمن، 2025).

ومنذ البداية، لا يأتي عنوانُ القصيدة، "تحوّلات"، بوصفه تسميةً لاحقة للنص، بل كإيماءةٍ أولى تُمهِّد لطبيعته الداخلية. فالجمعُ في العنوان لا يحدّدُ مسارًا ولا يعِدُ بتحوّلٍ بعينه، بل يفتحُ المجال أمام حركةٍ غير مرئية تتشكّل داخل التجربة نفسها. وقبل أن نقرأ سطرًا واحدًا، نُوضَعُ أمام شعورٍ بأنّ ما سيجري ليسَ حدثًا واحدًا يمكن تتبّعه، بل حالاتٌ تتبدّلُ وتعودُ وتتراكبُ، دون أن تعلن عن بدايتها أو نهايتها. بهذا المعنى، يعملُ العنوان كعتبةٍ شعوريةٍ، لا تُفسِّر ما سيأتي، لكنها تُدرّبُ العين على استقبالِ التغيّر بوصفهِ جزءًا من النسيج اليومي للنصّ، لا كواقعةٍ استثنائية.

وحين ندخل القصيدة، يتكشّفُ أن هذا التلميحَ المبكر لا يبحثُ عن التحوّلِ الصاخب، بل عن ذلك التحوّل الصامت الذي يحدث في الهامش، في التكرار، وفي ما يبدو ثابتًا وهو يستقبل الزمنَ من دون أن يتزحزح. فالعنوان لا يسبق القصيدة ليشرحها، بل يظلّ حاضرًا فيها كصدى خافت، يُذكّرُ بأن ما نراه ليس تطوّرًا في المعنى بقدر ما هو تغيّر في الهيئة، وفي زاوية النظر، وفي العلاقة بين الكائن والزمن. هكذا يغدو العنوان جزءًا من جماليات النصّ، لا مفاتيحه التفسيرية، وعتبةً تتركُ أثرها في القراءةِ من غير أن تفرض عليها مسارًا بعينه.

ومن هذه العتبة المفتوحة، يدخلُ النصّ إلى فضائِه الأكثر تواضعًا: مكانٍ لا يتحرّكُ، وصباحٍ يتكرّرُ، وجملةٍ تعودُ كما لو أنّها تختبرُ الزمن من موقعِ الثبات. فالمكانُ ثابتُ، والجملةُ تتكرر: "حيثُ يجلسُ كلّ صباحٍ". هذا التكرارُ لا يؤدي وظيفةً إيقاعية فقط، بل يرسّخُ وضعًا أنطولوجيًا: نحنُ أمامَ كائنٍ لا يتحرّكُ في الزمن، بل يُستبقى فيه. كأنّ هذا الجلوس اليومي يضعه عند برزخ الزمن، لا داخله ولا خارجه، بل في تلك المنطقة التي يُعلَّق فيها العبور ويُستبدل بالانتظار.

في هذا الموضع، يتجاور ما هو ظاهرٌ في الحركة والتحوّل، مع ما هو ظِلّيٌّ في المكوث والشهادة، لا بوصفهما ضدّين، بل كصيغتين مختلفتين لحضور الزمن داخل المشهد الواحد. ويمكن تلمّس هذا الموضع البيني عبر إشاراتٍ متفرّقة في النص:

-  رجلٌ يجلس كلَّ صباحٍ ← لا في الماضي ولا في التحوّل
- صباحٌ متكرّر ← ليس بدايةً ولا نهاية
- فقرٌ "لا يأتي به الغيب" ← تعليقٌ بين الوعد والحرمان
- علاقةٌ لا تُستكمَل ولا تنقطع ← اعترافٌ بلا امتلاك
- زمنٌ يُرى ولا يُعاش

فالرجلُ لا يعيش التحوّلات، بل يشهدها، كأنه وُضعَ عند حافةِ العالم ليكون نقطةَ رصدٍ، لا نقطةَ عبور. في المقابل، تتكاثر المرأة في صورها: طفلة، صبية، أمّ. غير أن القصيدة لا تقدّم هذه الصور بوصفها مراحلَ عمرٍ، بل بوصفها تجلّياتٍ زمنية مستقلة.  كل عودةٍ ليست استكمالًا لما سبق، بل انبثاقُ زمنٍ آخرَ في الجسدِ نفسه.

هنا يتبدّى الزمنُ، لا بوصفه فكرةً مجرّدة، بل كخبرةٍ إنسانية ملموسة: زمنٌ يتحرّكُ ويتكثّفُ في الجسد الأنثوي، وزمنٌ يظلّ معلقًا في الجسد الذكوري. الأولُ زمنُ التجلّي: السوق، البضائع، الحمل، الطفل، الاختفاء والعودة. والثاني زمن الكمونِ: الجلوس، الانتظار، القِلّة، القبول الصامت. غير أن هذا الانقسام لا يحمل حكمًا أخلاقيًا ولا تراتبيةً قِيَميّة؛ إنّه توصيف لبنية وجود، حيث لا يُمنح الجميعُ الحقّ ذاته في العبور بين الأزمنة.

والفقر، في هذا السياق، لا يُختزلُ إلى حالة ٍاقتصادية أو خطابِ شفقة. إنه شعورٌ إنساني كثيف، لكنه في القصيدة يرتقي إلى مستوى القانون الوجودي. فالفقرُ هو أن تكون حاضرًا دون أن تكون فاعلًا، أن ترى العالم يتبدّل أمامك دون أن تمتلكَ وسيلةَ الانخراطِ في هذا التبدّل. لذلك َيقول النصّ بوضوح قاسٍ: "ويعرفُ أن ليس شيئًا من المالِ… يأتي به الغيبُ". المالُ هنا ليس عملةً، بل رمزٌ لقدرةِ الزمنِ على أن يمنح. والغيبُ ليس ميتافيزيقا، بل المجالُ الذي تُصنعُ فيه الفوارقُ بين من يُسمحُ لهم بالتحوّلِ ومن يُتركونَ خارجه.

ومع ذلك، لا تسقط القصيدة في تجريدٍ باردٍ. على العكس، فإنسانيتها تنبعُ من هذهِ المسافة المؤلمة بين الشاهدِ والمتحوّل. والعلاقةُ بين الرجلِ والمرأة ليست علاقةَ تبادلٍ اقتصادي، بل علاقةُ اعترافٍ صامت. حين تقولُ في الختام: "كنتَ أبًا طيبًا"، لا تمنحه دورًا لم يمارسه فعليًا، بل تعترفُ بوظيفةٍ إنسانيةٍ خفيّة: وظيفةُ الحضورِ، وظيفةُ الثباتِ، وظيفةُ أن تكونَ شاهدًا رحيمًا على تحوّلاتِ الآخر. الأبوةُ هنا ليست بيولوجيا، بل أخلاقٌ زمنية.

جماليًا، يعتمدُ النصّ على الحذفِ، الفراغِ، النقاطِ، والنجومِ، وكأن اللغةَ نفسها تعاني مما يعانيهِ الجالسُ: نقصٌ، انقطاعٌ، عدمُ اكتمال. هذه الفراغاتُ ليست صمتًا بل زمنًا غير مكتوبٍ، زمنًا لم يتحقّق بعد أو لم يُسمح له أن يتحقّق. والتكرار لا يملّ، لأنه لا يعيد المعنى بل يكشف استحالته: كلّ صباح هو نفسهُ، لكنه ليسَ الأمس، لأن الآخرين تغيّروا.

في هذا المعنى، تقدّم قصيدة "تحوّلات" رؤيةً جمالية للزمن بوصفه خبرةً إنسانية مركّبة، لا تُقاس بالمسار ولا تُحاط بالشكل، بل تتبدّى تراكبًا خفيًا لأزمنةٍ متجاورة تعيش في المكان نفسه من دون أن تندمج. الزمن هنا لا يتحرّك بانتظام، بل يمرّ متفاوتًا في الكائنات، فيترك أثره في بعضهم، ويكتفي بأن يُرى في بعضهم الآخر. ولا تسعى القصيدة إلى شرح هذا التفاوت أو تبريره، بل تجعله محسوسًا في الإيماءة، في التكرار، في العودة، وفي ذلك الثبات الصامت الذي يجاور التحوّل من دون أن يلحق به. هكذا لا يُقدَّم الزمنُ كمفهومٍ، بل كجرحٍ إنسانيٍّ مفتوح، وكحقيقةٍ شعرية تقول لنا إن بعض البشر يعيشون داخل الزمن، فيما يُجبر آخرون على مراقبته وهو يمرّ. ومن هذا الجرح تحديدًا تستمدّ القصيدة قوتها الجمالية، إذ تحوّل الانقسام الزمني إلى شعورٍ قابل للمشاركة، والمشهد اليومي البسيط إلى تجربةٍ وجودية كثيفة، تُرى أكثر مما تُفسَّر، وتُحسّ قبل أن تُفهم.

كاتبة عراقية مقيمة في كندا

* لهيب عبد الخالق. (2025، أكتوبر).الازدواج الأنطولوجي للزمن: نحو فهم جديد للحظة والوجود. مجلة مدارات الثقافية. https://madaratealthakafia.com/?p=5729


مشاهدات 41
الكاتب لهيب عبدالخالق
أضيف 2026/01/23 - 3:26 PM
آخر تحديث 2026/01/24 - 3:09 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 107 الشهر 17993 الكلي 13525416
الوقت الآن
السبت 2026/1/24 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير