بعد مائة سنة.. التاريخ يتكرّر والمصير يغلي بحوادث الشرق الاوسط
ماهر جبار الخليلي
بعد انتصار دول الحلفاء في الحرب العالمية الاولى التي انتهت عام 1918 بدء الترتيب لعالم جديد مختلف تماما عما قبل الحرب فقد سقطت امم ودول وظهرت اخرى، وانتهى عصر الامبروطوريات وبدأ عصر الانتداب (دول مفتتة صغيرة تتحكم بها دول كبرى).
بدا الوضع في منطقة الشرق الاوسط غامضا وغير واضح المعالم، حيث نجاح الثورة العربية الكبرى 1916 بقيادة الشريف حسين من الحجاز ودخول ولده الامير فيصل الى سوريا ومحاولة تتويجه ملكا على بلاد الشام، وهذا ما أحدث شرخا في العلاقات البريطانية الفرنسية المتفقين سرا على تقسيم المنطقة بينهما (معاهدة سايكس بيكو 1916)، فاصبحت الامور اكثر تعقيدا.
صورة الشرق الاوسط لم تكتمل بعد، فالعراق بولاياته الثلاث (الموصل وبغداد والبصرة) اصبح في قبضة بريطانيا عام 1917 فضلا عن فلسطين، وايران القاجارية مقسمة النفوذ(الجنوب والوسط بسيطرة الدولة القاجارية وتعاون واضح مع الشركات البريطانية، والشرق بقيادة الامير خزعل الكعبي، والشمال هناك نفوذ روسي واضح)، في حين نجد ان هناك غياب حقيقي لفرنسا الحليف الاستراتيجي لبريطانيا والتي اخذت تنزعج وتريد تطبيق الاتفاقات السابقة باي ثمن كان.
كانت الجزيرة العربية مقسمة النفوذ ايضا، منذ مطلع القرن العشرين حيث ظهرت قوة الامير عبد العزيز بن عبد الرحمن ال سعود حاكم نجد، والذي اكتسح المناطق الواحدة بعد الاخرى بمساعدة بريطانية، وانتصر على قوة ال رشيد حلفاء العثمانيين واصبح قوة لا يستهان بها، في حين يسيطر الشريف حسين على منطقة الحجاز، وبدا اكثر صداقة مع لبريطانيا، اما باقي الامارات العربية في الخليج فكان واضحا فيها النفوذ التجاري والسياسي لبريطانيا، منذ منتصف القرن التاسع عشر.
تغيرت الامور في الاعوام 1920-1925 بشكل كبير جدا حيث سقط الحلفاء والاصدقاء بأوامر بريطانيا نفسها، ونصبت مجموعة جديدة من التابعين لها، الذين يسيرون وفق الخطط والرؤى التي تراها مناسبة، ولابد من الطاعة والا واجهوا خطر الازاحة.
الوعود الاربعة
اطلقت بريطانيا وعودها الاربعة، ونفذت منها واحدا فقط واخلفت في ثلاث، الوعد الاول كان الاكثر شهرة والمعروف بوعد بلفور للصهاينة، باقامة وطن قومي لليهود، فيما كان الوعد الثاني للعرب، المتمثل بمراسلات الشريف حسين حاكم الحجاز مع السير مكماهون المندوب البريطاني في القاهرة، والذي وعد باستقلال المنطقة العربية من الاسكندرونة العربية الى عدن اليمنية، والوعد الثالث لفرنسا بموجب معاهدة سايكس بيكو حيث المخطط يشمل مدينة الموصل واجزاء اخرى والوعد الرابع للكرد في جنوب تركيا بالاستقلال وانشاء دولة.
الوعد الاول لليهود تم نتفيذه على مراحل وفق خطط يهودية بريطانية مشتركة، اما الوعود الثلاثة الاخرى فقط اخلفت فيها بريطانيا بشكل واضح ونفذت منها ما يتبع مصالحها على حساب شعوب المنطقة ومستقبلها.
عندما كشفت روسيا البلشفية معاهدة سايكس بيكو عام 1917، احدث ذلك شرخا في العلاقة بين بريطانيا والشريف حسين الذي فقد ثقته بها وبوعودها، وبالتالي رفض توقيع معاهدة معها، وحاولت بريطانيا استرضاءه بمفاوضات استمرت خمس سنوات، ومارست كل انواع الضغوط واعطت ما يمكنها من تطمينات ولكنه كان معاندا ورافضا وغير واثقا، وهذا ما اغضب الدولة العظمى الاكبر قوة عدة وعدد، والاكثر نفوذ في العالم، وسيدة البحار والمحيطات، والامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس لاكثر من قرن وتصف، فماذا كانت النتيجة ؟ لقد اعطت الضوء الاخضر لحليفها الاخر حاكم نجد عبد العزيز ال سعود لمعاقبة الشريف حسين على عناده ومقاومته كل العروض والامتيازات الممنوحة له، ومنها اعطاء دولتين لانجاله مع احتفاظه بالحجاز، فكانت النتيجة هو زوال مملكة الحجاز من الوجود وانضمامها الى ممتلكات حاكم نجد والجاز عام 1924 وانتهى الوعد بغضب بريطاني وتحريك جغرافية وديموغرافية المنطقة حسب مصالحها الجديدة.اما ما يخص وعدي فرنسا، والكرد فقد رسمت بريطانيا الامور حسب المصالح المستجدة فوجدت ان الموصل مكملة لولايات العراق ولا يمكن التفريط بها لما فيها من مصالح اقتصادية وجيوسياسية، فقررت ضمها اليها دون الاكتراث بالموقف الفرنسي، وتركت ذلك الى المفاوضات وهذا ما حدث، اما الكرد فقد نفذت وعدها باعطاء حكم ذاتي تحت الانتداب البريطاني في معاهدة سيفر بين الحلفاء والدولة العثمانية عام 1920، ولكن انتصارات كمال اتاتورك على جيش الحلفاء واعادة توحيد الاراضي التركية تحت قيادته حال دون تنفيذ الوعد وجاءت معاهدة لوزان مع اتاتورك لتلغي جميع الاتفاقات السابقة والغاء معاهدة سيفر تماما.
هندسة تشرشل
تدخل ونسون تشرشرل في مؤتمر القاهرة المنعقد عام 1921 ليحدد المستقبل السياسي لدول الشرق الأوسط، حيث استمر أسبوعين، وكان برئاسته ويحمل صفة وزير المستعمرات البريطاني، وبحضور أربعين موظفًا إداريًّا وسياسيًّا وعسكريًّا من البريطانيين المتنفذين في المنطقة.
انعقد المؤتمر في فندق سميراميس بالقاهرة، وكعادته رسم تشرشل جدول أعمال المؤتمر ليتناسب مع رؤيته المستقبلية للمنطقة، وقسمه الى ثلاثة أقسام (العراق وفلسطين وعدن والخليج العربي)، ولذلك حدد مقابلاته وتحركاته مسبقا.في هذا المؤتمر تم تحديد ملكية فيصل على العراق وامارة الامير عبدالله على شرق الاردن على الرغم من معارضة الكثيرين ومنهم الصهاينة الذين رسموا حدود دولتهم مع نهر الاردن، وحددوا مهام شرق الاردن بحماية الحدود السورية والفلسطينية من هجمات القبائل العربية وهكذا تكونت خارطة جديدة للشرق الاوسط.
بريطانيا تسقط سلطتين في ايران
كانت إيران مشتتة في عهد السلطة القاجارية، فالجنوب والوسط مناطق نفوذ بريطانية اقتصاديا وسياسيا، والمناطق الشمالية تحت نفوذ الروس، ومنذ عهد ناصر الدين شاه في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، أصبح اقتصاد بلاد فارس تحت النفوذ والاحتكار البريطاني.
كانت الدولة القاجارية تعاني من استمرارية الحروب الاهلية وتدهور اقتصادي مستمر، ومنذ عام 1918 قام الروس والانكليز بالاستيلاء على عدة مناطق في بلاد فارس، وبين عامي 1921-1925 قام رئيس الوزراء رضا خان بهلوي بزيادة نفوذه بمساعدة ودعم بريطاني، ثم قام بخلع أحمد ميرزا القاجاري، ونصب نفسه ملكا على ايران ولقب يالشاه البهلوي وهكذا سقطت السلطة الاولى.فاصبح الحكم في ايران تابعا للسياسة البريطانية في المنطقة متزامنا مع نفوذها في الخليج العربي والعراق وفلسطين، ولم يبقَ في كل المنطقة خارج النفوذ البريطاني الا الامارة الكعبية، التي كانت تحت حكم أمیر عربستان الخامس، المولود فی أبو الخصیب في جنوب البصرة، والذي حكم الامارة منذ عام 1897 والملُقب بشیخ مشایخ الخلیج.حاول الشیخ خزعل المنافسة علی عرش العراق عام 1921، وكذلك حاول ضم الأحواز إلى مناطق نفوذه، وقد أرسل رسالة بهذا الصدد إلی نوري السعید وطلب منه مساعدته للظفر بعرش العراق، إلا أن البریطانیین نصبوا الملك فیصل الأول بقناعة السير بيرسي كوكس وغيروترد بيل، وانتبهو الى قوة الامارة الكعبية وخطورة وجودها وعدم تجاوب الامير خزعل مع مصالحهم.بعد عام 1920م، باتت بريطانيا تخشى من قوة الدولة الكعبية، فاتفقت مع الشاه رضا بهلوي على إقصاء أَمير عربستان وضم الإقليم إلى إيران، والإمارة كانت غنية بالنفط، وتم ذلك في عام 1925 بعد اعتقال الأمير خزغل الكعبي وموته في السجن وهذه السلطة الثانية قد انتهت.
الدروس والعبر
عندما تكون في خيارات الحياة والموت تكون للضرورة احكام، فلا يمكن المجازفة بمصير البلاد والتمسك بمطالب خارج الامكانيات، كذلك من الضرورة بمكان حساب المواجهة بلغة الارقام وتحديد الاحتمالات والسيناريوهات المتوقعة وتحديد الخطط القريبة والمتوسطة والبعيدة المدى.من التاريخ نتعظ والذي حصل قبل مائة عام من الان درس تاريخي كبير، حيث اخطأ الشريف حسين مرتين بالرغم من قوته ومكانته الدينية والاجتماعية والسياسية الكبيرة ومساحة سيطرته الواسعة.
المرة الاولى عندما ناغم وتفاهم مع البريطانيين بطريقة غير مباشرة وهو خطأ كبير جدا بدون التزامات واضحة من الطرفين، واخطأ حسابات القوة والضعف مرة ثانية عندما تمسك بالاحلام ورفض سماع صوت العقل من نصائح المقربين منه من انجاله واصدقائه، ولم يتقبل نصائخ المستشارين الاخرين، فانهارت دولته باشارة واحدة.
كذلك فعل الامير خزعل عندما تمسك بمطالب واحلام اكبر من اوضاع المنطقة وجعل لنفسه مكانة اكبر من حجمه ووضع نفسه بمواجهة غير متكافئة، دون ان يدرس حسابات البقاء والفناء، فكانت نهايته فس السجن مقتولا، وزوال امارته وتغيير ديمغرافية المنطقة برمتها.
بالمقابل نجد ان القائد التركي الكبير مصطفى كمال اتاتورك وضع في حساباته الامكانيات المتوفرة وخطط المواجهة بشكل جماعي لا فردي، فاعتمد على نقمة الشعب التركي على العثمانيين وعلى الحلفاء وعلى رجال الدين، وعمل على العنصر القومي، وليس كاريزما الشخص او تمجيد الذات، وركز على قوة الايمان بالمشروع والنجاة من الانهيار والتشرذم، وخاطب الناس بما ينقصهم من روح القوة والشجاعة والاقدام، من الكينونة لا الفناء فاستطاع ان ينتصر في جميع المعارك ويفرض وجوده وشروطه على القوى العظمى في ذلك الوقت، مراهنا على التناقضات ونقاط الضعف فنجح في النهاية في استعادة الدولة وتوحيدها ولملمة جراحها والنهضة بها من جديد.
التاريخ اكبر معلم في الدنيا، ومن لا يستفيد من الدروس التاريخية يقع ضحية الاخطاء نفسها، فالتاريخ ليس معلما فقط وانما مرشدا للحاضر ومقررا للمستقبل.
حاضر منطقة الشرق الاوسط يغلي بالاحداث، فالعشر سنوات ماضية شهدت تطورات مشابهة لما قبل مائة عام، هناك انظمة سقطت مثل تونس ومصر وليبيا واليمن والسودان واخرها ماحدث في سوريا ولبنان، وما يجري من احداث متسارعة مع ايران والمطلوب هو استيعاب تجارب التاريخ واخذ الموعظة وحساب المواجهات بالارقام، والاستعداد بما يضمن البقاء لا الفناء لان الخيار الاخير فيه دمار واسع له بداية وليس له نهاية.