الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
المثقف والمنظمات الدولية بين الإغراء المؤسسي والاستقلال الأخلاقي

بواسطة azzaman

المثقف والمنظمات الدولية بين الإغراء المؤسسي والاستقلال الأخلاقي

 وليد الحيالي

 

تُعدّ العلاقة بين المثقف والمنظمات الدولية واحدة من أكثر العلاقات تعقيدًا في عالم ما بعد الصراعات، ولا سيما حين يأتي المثقف من بلدٍ خرج لتوّه من الاحتلال، أو من انهيار الدولة، أو من اختطاف القرار الوطني. فهي علاقة تتأرجح بين التقدير الدولي من جهة، وخطر الاحتواء السياسي من جهة أخرى.

وقد وجدتُ نفسي شخصيًا في قلب هذا التناقض خلال مشاركتي في المؤتمر العام الرابع والثلاثين لمنظمة اليونسكو، المنعقد في باريس للفترة 26–27 تشرين الأول (أكتوبر) 2007، حين شُرّفتُ بدعوة خاصة من وزير العراق لدى اليونسكو آنذاك السيد محي الخطيب، للمساهمة في وفد جمهورية العراق، بصفتي رئيس الأكاديمية العربية المفتوحة في الدنمارك.

المشاركة: اعتراف بالكفاءة أم اختبار للموقف؟

لم تكن مشاركتي في هذا المؤتمر مجرّد حضور بروتوكولي، بل جاءت في سياق سعي العراق آنذاك لإعادة بناء صورته داخل المنظمات الأممية، عبر إشراك كفاءات أكاديمية مستقلة من خارج الإطار الحكومي التقليدي. وقد أُتيحت لي الفرصة لإلقاء كلمة رسمية في اليوم الثاني للمؤتمر، تناولتُ فيها قضايا التعليم، واستقلال المؤسسات الأكاديمية، ودور الثقافة في إعادة بناء المجتمعات الخارجة من الحروب.

وقد قوبلت هذه المداخلة باهتمام وتقدير واضحين، عكسا – في تقديري – احترامًا لشخصي الأكاديمي، ولمكانة الأكاديمية العربية المفتوحة، باعتبارها تجربة تعليمية مستقلة نشأت خارج منظومات التوجيه السياسي.

عرض العمل: أين تكمن الإشكالية؟

في أعقاب هذه المشاركة، طُرح عليّ عرض للعمل، وغالبًا ما أُسيء فهم موقفي لاحقًا على أنه رفض للعمل في منظمة اليونسكو نفسها، وهو فهم غير دقيق.

إن موقفي كان، ولا يزال، واضحًا:

لم أرفض العمل في اليونسكو بوصفها منظمة دولية مستقلة، ذات رسالة تربوية وثقافية نبيلة، وإنما رفضتُ العمل عبر القناة الرسمية العراقية آنذاك، بوصفها قناة مؤسسية خاضعة لإدارة سياسية خارجية، ومجردة من استقلال القرار الوطني.

ففي تلك المرحلة، كان تقديري أن العديد من المؤسسات الرسمية العراقية لم تكن تعبّر عن إرادة وطنية مستقلة، بل كانت تُدار وتُوجَّه من خارج الحدود، ضمن منظومة سياسية مشوهة، لا تتيح للمثقف حرية الفعل، ولا تحمي استقلال الرأي.

المثقف بين الدور والوظيفة

المثقف، في جوهر دوره، ليس موظفًا تقنيًا، بل ضميرًا نقديًا. وعندما يتحول إلى جزء من جهاز رسمي فاقد للسيادة، فإنه يخاطر بأن يصبح أداة تزيينية بدل أن يكون صوتًا نقديًا.

لقد خشيتُ – عن وعي وتجربة – أن يتحول وجودي داخل تلك القناة الرسمية إلى شرعنة رمزية لواقع سياسي لم أؤمن به، أو إلى صمتٍ مفروض باسم “العمل من الداخل”. وهي حجة كثيرًا ما استُخدمت تاريخيًا لتدجين المثقفين، لا لتمكينهم.

قرار الرفض: خيار أخلاقي لا مهني

بعد تفكيرٍ هادئ، اتخذتُ قراري بالاعتذار. ولم يكن القرار سهلًا، ولا خاليًا من التساؤلات. فالعروض الدولية تحمل دائمًا إغراء المكانة والاعتراف. لكنني كنت على قناعة بأن:

               •             العمل الأكاديمي لا ينفصل عن الأخلاق

               •             الاستقلال الفكري لا يتجزأ

               •             والمثقف الذي يساوم مرة، يُطلب منه أن يساوم دائمًا

 

ولذلك فضّلتُ البقاء في موقعي المستقل، حتى وإن بدا ذلك – ظاهريًا – تفويتًا لفرصة مهنية.

 

خاتمة: أي علاقة نريدها؟

 

تجربتي في مؤتمر اليونسكو عام 2007 لم تكن محطة تمثيل فحسب، بل كانت اختبارًا عميقًا لطبيعة العلاقة بين المثقف والمنظمات الدولية، حين تمر هذه العلاقة عبر وسيط رسمي فاقد للاستقلال.

 

وأحسب أن السؤال الحقيقي ليس:

هل نعمل مع المنظمات الدولية أم لا؟

بل:

 

بأي صفة، وتحت أي شروط، ومن أي موقع أخلاقي؟

 

فحين تُدار القنوات الرسمية بيدٍ خارجية، يصبح انسحاب المثقف أحيانًا فعل مقاومة صامتة، لا هروبًا، بل حفاظًا على المعنى.


مشاهدات 48
الكاتب  وليد الحيالي
أضيف 2026/01/21 - 1:16 AM
آخر تحديث 2026/01/21 - 2:29 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 103 الشهر 15635 الكلي 13523058
الوقت الآن
الأربعاء 2026/1/21 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير