الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
موسى الكاظم.. إمام القانون الأخلاقي وحارس المال العام

بواسطة azzaman

موسى الكاظم.. إمام القانون الأخلاقي وحارس المال العام 

إسماعيل محمود العيسى

 

في كل مرة تحل ذكرى استشهاد الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام، لا يعود السؤال: ماذا نكتب عن رجل أُشبعت حياته سردًا، بل كيف نستحضره اليوم بوصفه مرجعًا أخلاقيًا وقانونيًا في زمن تتكاثر فيه الفوضى، ويُستباح فيه المال العام، ويعلو فيه السلاح على القانون، فالإمام الكاظم لم يكن رمز عبادة فقط، بل كان مشروع دولة أخلاقية مكتملة الأركان، أساسها العدالة، وحارسها الضمير، وسقفها القانون قبل القوة.

وُلد الإمام موسى الكاظم عليه السلام في الأبواء سنة 128هـ، في بيتٍ اجتمع فيه شرف النسب وعمق العلم ونضج الرؤية، فهو ابن الإمام جعفر الصادق مؤسس المدرسة الفقهية والعقلية الكبرى، وحفيد الإمام محمد الباقر الذي أعاد للعقل دوره في فهم النص، وسليل السلسلة النبوية الممتدة من علي بن أبي طالب إلى الحسين بن علي وولده زين العابدين عليهم السلام، غير أن هذا الامتداد لم يكن شرفًا وراثيًا صامتًا، بل مسؤولية أخلاقية وقانونية مارسها الإمام في أدق تفاصيل الحياة العامة.

رؤية قانونية

تميّز الإمام الكاظم برؤية قانونية أخلاقية سبقت عصرها، إذ كان يرى أن العدل لا يتحقق بالقوة، وأن القانون إذا انفصل عن الأخلاق يتحول إلى أداة بطش، ولذلك لم يتعامل مع السلطة بوصفها غاية، بل بوصفها أمانة، وكان يؤكد أن حفظ النظام العام يبدأ من ضبط النفس، وأن كظم الغيظ ليس فضيلة شخصية فحسب، بل قاعدة استقرار اجتماعي، ولهذا قال: “ليس حسن الجوار كفّ الأذى، ولكن حسن الجوار الصبر على الأذى”، وهي مقولة تصلح اليوم أساسًا لنظرية متكاملة في إدارة النزاعات المجتمعية خارج منطق السلاح والعنف.

وفي مجال حفظ المال العام، كان الإمام موسى الكاظم واضحًا وحازمًا، إذ نظر إلى المال المشترك بوصفه حقًا للأمة لا ملكًا للحاكم ولا مجالًا للتصرف الشخصي، وكان يربط بين الاعتداء على المال العام والفساد الأخلاقي، لا بوصفه مخالفة إدارية فقط، بل خيانة للثقة العامة، وهو ما يشكّل في المفهوم المعاصر جوهر التجريم الجنائي للفساد، فحين تُفقد الأمانة، يسقط العقد الاجتماعي، وتنهار هيبة القانون، ويصبح المجتمع فريسة للفوضى والسلاح المنفلت.

لم يكن الإمام الكاظم فقيه نصوص مجردة، بل فقيه واقع، فقد كان حاضرًا في السوق كما في المسجد، وفي شؤون الناس كما في حلقات العلم، وكان يرى أن العدالة لا تُختبر في الخطب، بل في حماية الضعفاء، وصيانة الحقوق، ومنع التعدي على الأموال والممتلكات العامة والخاصة، ولهذا كانت سيرته العملية نموذجًا مبكرًا لمفهوم سيادة القانون، حيث يخضع الجميع لمعيار واحد، بلا استثناء ولا تمييز.

أما علمه، فلم يكن تراكميًا نظريًا، بل علمًا موجّهًا لبناء الإنسان المسؤول، فكان يؤكد أن العلم الذي لا يُنتج التزامًا أخلاقيًا يتحول إلى عبء، وأن الفقه الذي لا يحمي المجتمع من الظلم والفساد يفقد روحه، ومن هنا جاءت وصاياه مركزة على العقل والعمل والانضباط الذاتي، وكأنه يضع إطارًا قانونيًا أخلاقيًا لحياة متوازنة تحفظ الفرد والمجتمع معًا.

شاهد تاريخي

وحين زُجّ بالإمام موسى الكاظم في السجون العباسية سنوات طويلة، لم يتحول إلى رمز مظلومية عاطفية فقط، بل إلى شاهد تاريخي على أن السلطة التي تعجز عن إقناع الناس تلجأ إلى القيد، وأن السجن لا يُسقط المشروعية عن المظلوم بل يعرّي الظالم، فقد خرج الإمام من السجن منتصرًا بالقيمة، فيما سقط السجّانون من ذاكرة العدالة.

ويمتد هذا النهج إلى ولده الإمام محمد الجواد عليه السلام، الذي أثبت أن القيادة ليست عمرًا ولا قوة، بل وعيًا والتزامًا بالقيم، فكما حمل الكاظم مشروع الصبر وحفظ النظام العام، حمل الجواد مشروع العقل المبكر وترسيخ المسؤولية، لتبقى مدرسة أهل البيت مدرسة قانون وأخلاق، لا مدرسة احتجاج فقط.

في ذكرى استشهاد الإمام موسى الكاظم، لا نحيي حادثة تاريخية، بل نواجه سؤالًا معاصرًا مؤلمًا: كيف استُبدل القانون بالسلاح، والأمانة بالفساد، والحلم بالغضب، ولو أُعيد إحياء منهج الكاظم في كظم الغيظ، وحفظ المال العام، واحترام الحق المشترك، لما احتاج المجتمع إلى هذا الكم من القوانين التي لا تُحترم، ولا إلى هذا السلاح الذي لا يحمي إلا الفوضى.

موسى الكاظم لم يمــــــت في سجن بــــغداد، بل تحوّل إلى ميزان أخلاقي وقانوني حيّ، يذكّرنا بأن الدولة لا تُبنى بالقوة وحدها، بل بالعدل، وأن المال العام خط أحمر، وأن أقوى الناس ليس من يحمل السلاح، بل من يحمي القانون، وفي زمننا هذا، لعل أصدق وفاء له أن نقرأه لا بوصفه إمامًا بكى عليه التاريخ، بل بوصفه قاضي الضمير الذي ما زال يحاكم حاضرنا بلا محكمة ولا سيف.

 

 


مشاهدات 32
الكاتب إسماعيل محمود العيسى
أضيف 2026/01/12 - 2:42 PM
آخر تحديث 2026/01/13 - 2:55 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 108 الشهر 9156 الكلي 13116579
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/1/13 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير