صوماليلاند صوماليلاند .. حان الوقت
عبد الحسين شعبان
في تطوّر لافت وإن لم يكن مفاجئًا أعلنت إسرائيل في نهاية العام 2025 وهي تحت «نشوة النصر» بعد حرب الإبادة على غزّة، اعترافها رسميًا ﺑ «جمهورية أرض الصومال» كدولة مستقلة ذات سيادة. وتمثّل هذه الخطوة تحوّلًا جيوبوليتيكيًا في منطقة القرن الأفريقي، وتغييرًا في توازنات القوى الإقليمية ومنظومة الأمن البحري.
لا شكّ أن القرار الإسرائيلي سيفتح الأبواب أمام تشكيل مشهد سياسي وأمني جديد في منطقة القرن الأفريقي، فأثيوبيا تبحث عن موطئ قدم لها في البحر الأحمر وتركيا كذلك، إضافة إلى الولايات المتحدة والصين كقوتين دوليتين فاعلتين في المنطقة، وهو ما سيكون له تأثير مباشر أو غير مباشر على مصر والمملكة العربية السعودية.
ويأتي الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند في ظلّ غياب موقف عربي موحّد يمثّل الحدّ الأدنى من التضامن المطلوب، فضلًا عن أن العديد من الدول العربية ما تزال تعاني من احترابات أهلية طائفية وإثنية ومناطقية، مثل اليمن وليبيا وسوريا والسودان والصومال، فضلًا عن انقسامات شديدة في العراق ولبنان، الأمر الذي جعل إسرائيل تتصرّف كشرطيّ في المنطقة بصلاحيات تكاد تكون مطلقة.
لم تكتف إسرائيل بحرب الإبادة على غزّة، بل تستمرّ في عدوانها على لبنان على الرغم من وقف إطلاق النار، وتتوسّع في سوريا بعد سيطرتها على جبل الشيخ، وتدسّ أنفها في النسيج الاجتماعي والديني السوري بعد أحداث السويداء الدامية. وعلينا ألّا ننسى التدخلات الإيرانية والتركية وامتداداتها عربيًا، مع استمرار تجاهل أثيوبيا لمصالح الشركاء في مياه نهر النيل واستمرارها في بناء سدّ النهضة دون أي اعتبار قانوني أو إنساني بدعم من إسرائيل.
وحدة افريقية
تعود محاولات اختراق إسرائيل للصومال إلى مراحل مبكّرة، ولكن الأخيرة ظلّت مناصرة لحقوق الشعب الفلسطيني، ووقفت ضدّها في مؤتمرات عدم الانحياز وفي منظمة الوحدة الأفريقية (الاتحاد الأفريقي حاليًا)، ورفضت التطبيع معها، حيث تجدر الإشارة إلى أن نحو 30 دولة أفريقية كانت قد قطعت العلاقات الديبلوماسية مع إسرائيل بين العامين 1967 و1973، إلّا أن الخريطة السياسية لدول منطقة القرن الأفريقي تغيّرت كثيرًا في الثمانينيات ومطلع التسعينيات.
وقد انتقلت العديد من البلدان الأفريقية من ضفة العرب إلى ضفّة عدوّهم، ولاسيّما بعد انهيار الكتلة الاشتراكية وتوقيع اتفاقية أوسلو في العام 1993، فتمكّنت إسرائيل من التسلّل إلى الصومال والعديد من الدول الأفريقية بتشجيع غربي، وتكثّف نفوذها في إريتريا، ولاسيّما بعد انفصالها عن أثيوبيا في العام 1993، حيث أقيمت العلاقات الديبلوماسية بينهما، وقبل ذلك بين إسرائيل وأثيوبيا في العام 1992.
وكان يوسي كوهين مدير الموساد قد أعلن في تشرين الثاني / نوفمبر 2020 أن بلاده ستدخل في اتفاق سلام مع دولتين، إحداهما في القرن الأفريقي، وتتوضّح الصورة اليوم بعد إعلان اعترافها ﺑ «جمهورية أرض الصومال»، والذي يُعتبر ترسيمًا لعملية تقسيم الصومال وتفكيكه.
وللخطوة الإسرائيلية أربعة أبعاد؛ أولها – ديبلوماسية، وذلك بتوسيع نفوذها، وإفشال جهود العرب في عزلها بعد حرب الإبادة ضد غزة؛ وثانيها – جيوبوليتيكية، في دعم حليفتها أثيوبيا للحصول على ممر مائي من خلال تفكيك الصومال وتقسيمه، بما يعزّز استراتيجية تل أبيب في هندسة القوّة في القرن الأفريقي، وثالثها – أمنية، والهدف محاصرة مصر والمملكة العربية السعودية عبر السيطرة على المداخل الجنوبية لمضيق باب المندب، ورابعها – إعلامية واقتصادية، لتصوير إسرائيل كصديق موثوق من جهة ولها خبرة علمية وتكنولوجية يمكن تقديمها للدول الأفريقية من جهة ثانية.
معاهدة ثلاثية
أعادتني قصة «صوماليلاند» إلى العام 1981، حين تمّ توقيع معاهدة ثلاثية ﻟ «الصداقة والتعاون»، في عدن بين اليمن الجنوبية (الديمقراطية) وليبيا وأثيوبيا، وكان رؤساؤها على التوالي علي ناصر محمد والعقيد معمّر القذّافي ومنغيستو هيلا ميريام.
وبعد فترة اتّصل بي الصديق الشاعر الكبير سعدي يوسف وطلب مني كتابة دراسة عن المعاهدة لنشرها في مجلة الموقف العربي، وهو ما فعلته حينها. وكنت أرى أن هدف المعاهدة هو مواجهة التحدّيات الخارجية في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي، حيث كان يُنظر إلى الدول الثلاث ومعهم الصومال ككتلة ذات عمق استراتيجي صديقة للاتحاد السوفيتي وضدّ النفوذ الإمبريالي والتغلغل الإسرائيلي، وبالطبع فتلك المعاهدة، ضمن ظروف الصراع الدولي آنذاك، كانت تمثّل رؤية استشرافية للعلاقة بين دول مستقلة ومتكافئة وتجمعها أهدافًا مشتركة.
وقد روى لي الرئيس علي ناصر محمد أن العقيد القذافي حين واجه الجمهور اليمني المتحمّس في حي كريتر كان يهتف: طز طز أمريكا، وكانت الجماهير تتجاوب معه، وفعل الأمر ذاته في الضالع. وأضاف الرئيس اليمني أن أمريكا استُفزّت، فقامت بإسقاط طائرتين ليبيتين في «سرت» في المجال الجوّي الليبي.
لقد عملت إسرائيل على نحو دؤوب وطوال سنوات على تغيير موازين القوى في القارة السمراء لصالحها، حتى جاءتها الفرصة الذهبية لذلك. ولعلّ خطوة الاعتراف بصوماليلاند هي إحدى حلقات سلسلة الاختراقات المستمرة والمبيّتة منذ حين، وقد تتبعها خطوات أخرى.