الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ديناميكيات الأمن القومي العراقي.. تحدّيات الحكومة المقبلة وخيارات الإستجابة

بواسطة azzaman

ديناميكيات الأمن القومي العراقي.. تحدّيات الحكومة المقبلة وخيارات الإستجابة

سيف الدين زمان الدراجي

 

تواجه الحكومة العراقية المقبلة مشهداً أمنياً لا يتميز بتهديدات عسكرية صريحة بقدر ما يتسم بتنازع داخلي على السيادة وتزاحم إقليمي على النفوذ وبيئة اقتصادية اجتماعية قابلة للاشتعال. الخطر الحقيقي في المرحلة المقبلة لن يكون حرباً بل غياب القدرة على إدارة التوازنات داخل الدولة وخارجها، أو ما يمكن تسميته بـ « إدارة السيادة «.

إقليمياً، يقف العراق في قلب تناقضات جيوسياسية معقدة. فالصراع الأمريكي– الإيراني مستمر في فرض قواعد اشتباك فوق الأراضي العراقية، من العقوبات إلى وجود القوات الأجنبية إلى شبكات النفوذ المرتبطة بمجموعات مسلحة محلية. وفي الخليج، لم تعد العلاقة بين السعودية والإمارات متناغمة كما كانت في سنوات التحالف في اليمن، بل أصبحت تحمل تفاوتاً في الرؤى الاستراتيجية حول البحر الأحمر والقرن الإفريقي والموانئ والممرات البحرية. هذا التباين لا ينعكس على اليمن فقط، بل يضغط على تشكيل المحور الإقليمي وعلى طبيعة التموضع العراقي داخل النظام العربي.

موقف واضح

كما أن مسار التطبيع الذي اتخذته بعض العواصم العربية مع إسرائيل يخلق سياقا دوليا جديداً. العراق يمتلك في هذا الملف موقفا واضحاً يتمثل في رفض التطبيع، وهو موقف قانوني سياسي يستند إلى الدستور وإلى المزاج الشعبي العام. إلا أن هذا الموقف يفرض حسابات دقيقة في إدارة العلاقات مع عواصم أصبحت ترى في التطبيع بوابة لتوازناتها الإقليمية أو لتحالفاتها الدفاعية أو لتحسين موقعها في علاقاتها مع الولايات المتحدة.

أما العلاقة مع تركيا فقد تحولت من قضايا تكتيكية إلى معادلة دائمة ترتبط بالصراع مع حزب العمال الكردستاني، وبالمياه، وبالتجارة، وبوجود عسكري تركي مستمر شمال العراق. كل ذلك يحتاج إلى إطار تفاوضي أوسع بدل أسلوب إدارة الأزمات المستمر. بالتوازي، فإن هشاشة الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب تجعل العراق عرضة لتقلبات لا يمسك مفاتيحها، خاصة أن النفط العراقي ليس فقط مورداً مالياً، بل شريان دولة.

على الجانب السوري، يبرز صراع متعدد المستويات بين الحكومة في دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وهو صراع لا ينفصل عن شبكة العلاقات بين واشنطن وأنقرة والكرد. هذه التفاعلات تحمل انعكاسات مباشرة على العراق في ملفات الحدود والنزوح وعودة خلايا داعش وتهريب السلاح والمخدرات. ولا يمكن فصل هذا كله عن احتمالات انتقال موجات نزوح قد تصل إلى مئات الآلاف وربما أكثر إذا اتسع نطاق التوتر في الشمال الشرقي السوري.

داخلياً، وعلى الرغم من تراجع تنظيم داعش ككيان مسيطر على الأرض، إلا أن المشهد المسلح داخل العراق لا يزال متشظياً. فالحشد الشعبي يقف على خط رفيع بين الاندماج القانوني وبين بقاء سلاسل قيادة منفصلة. وفي كردستان تستمر ثنائية الأمن بين أربيل والسليمانية. وفي الجنوب أصبحت العشائر تمتلك أدوات تسوية للنزاعات تتجاوز الدولة. هذه التعددية في حيازة القوة تجعل الدولة لا تمتلك احتكار العنف المشروع بشكل مكتمل، وهو مؤشر أمني لا يمكن تجاهله.

يترافق ذلك مع مشهد حدودي يعكس تآكل السيادة الاقتصادية. تهريب المخدرات والسلاح والوقود والبشر أصبح اقتصاداً سياسياً عابراً للمحافظات وللإقليم. بعض المنافذ الحدودية شهد أحتكاراً للكمارك لصالح شبكات محلية، ما يعني أن الجريمة لم تعد ظاهرة معزولة بل نمطاً من أنماط الإدارة.

لكن الأخطر في المرحلة المقبلة هو البعد الاقتصادي بوصفه ملفاً أمنياً. فالتوظيف المفرط الذي اعتمدته الحكومات السابقة لتحويل الدولة إلى رب عمل سياسي وليس رب عمل اقتصادي كان خطأً استراتيجياً ضاعف كتلة الرواتب إلى مستويات لم يعد بالإمكان تمويلها بسهولة. إن شراء الأمن المجتمعي ورضا المستفيدين ليس حلاً مستداماً. ومع احتمال عدم القدرة على دفع الرواتب في بعض السيناريوهات وتوجه الدولة نحو قرارات اقتصادية صعبة قد تشمل رفع الدعم أو تعديل سعر الصرف أو تعظيم الضرائب أو خفض الإنفاق، سيجد المواطن نفسه في خط المواجهة. وتجارب العقود الماضية تؤكد أن الضائقة المعيشية أكثر قدرة على إنتاج الاضطراب الأمني من العوامل الأيديولوجية. الأمن المجتمعي لا يتحمل صدمات مفاجئة في معيشة الناس، خاصة مع وجود نصف المجتمع تحت سن الخامسة والعشرين.

من الناحية المؤسسية، لا يزال العراق بحاجة إلى مقاربة أكثر تكاملاً في إدارة ملف الأمن القومي، بدل الاعتماد على وثائق منفصلة تتعامل مع كل ملف على حدة. فاستراتيجية الأمن الوطني التي أُعدت في الدورات السابقة شكلت خطوة مهمة في تحديد الإطار العام للتفكير الأمني، لكنها ما زالت تحتاج إلى آليات تنفيذ ومتابعة وتقييم تجعلها جزءاً من اطار عمل الدولة وليست مجرد وثيقة توجيهية.

وتزداد أهمية هذا الموضوع عند النظر إلى الاستراتيجيات القطاعية القائمة، مثل استراتيجية مكافحة الإرهاب لما بعد داعش، واستراتيجية إصلاح القطاع الأمني، واستراتيجية الوقاية من التطرف العنيف، واستراتيجية إدارة الأزمات والكوارث وحماية المدنيين. فهذه الاستراتيجيات تعمل بشكل متوازي، لكنها تحتاج الى دعم جوهري و إلى مظلة واحدة تنسق بينها وتمنع التداخل وتحدد الأدوار ضمن مفهوم موحد للأمن القومي.

كما أن نجاح أي استراتيجية لا يتوقف على محتواها فقط، بل على العقول التي تكتبها والعقول التي تُنفذها. إذ يجب أن تكون فرق صياغة السياسات في الدولة قادرة على مواكبة التطورات السريعة في البيئة العراقية والإقليمية والدولية، لأن الأمن اليوم لم يعد ملفاً تقليدياً، بل أصبح ملفاً متعدد الأبعاد يمس الاقتصاد والمناخ والمياه والتكنولوجيا والمجتمع. ولأن الواقع يتحرك بسرعة، فإن الاستراتيجية التي لا تواكب الواقع تتحول إلى ورق، أما تلك التي تفهم الواقع وتحسن قراءة المستقبل فهي التي تصنع الفارق.

قوى كبرى

وفي سياق تعزيز دور هذه العقول لإدارة التحديات بعيداً عن التحاصص والولاءات، تبرز عقيدة « الاشتباك المتوازن» التي بدأت تتبلور في السلوك العراقي. وهي ليست حياداً سلبياً ولا اصطفافاً مع أي محور، بل هي تفعيل للمساحة بين الطرفين، الاشتباك مع الجميع دون الاندماج في أي محور. فالاشتباك المتوازن يسمح بالاستفادة من الفجوات بين القوى الكبرى دون أن يتحول العراق إلى ساحة تصفية. إن هذه العقيدة تحتاج إلى تبني حقيقي لأنها تحول السياسة الخارجية من سلسلة ردود أفعال إلى قواعد تنفيذ واضحة.

في المحصلة، سينتقل الأمن في العراق في السنوات المقبلة من سؤال  « كيف نحارب؟ « إلى سؤال « كيف نحكم؟. فإدارة الأمن وتعزيز حوكمته الرشيدة ليس مهمة سهلة، كما إن القدرة على إدارة التوازنات الداخلية والخارجية وبناء مؤسسات تمتص الصدمات بدل أن تنكسر أمامها ستكون معيار نجاح أو فشل الحكومة الجديدة. إن أخطر ما قد يواجهه العراق ليس السلاح بل فقدان الثقة. والأمن القومي بمرتكزاته في النهاية ليس هندسة جيوسياسية فقط، بل عقد اجتماعي قبل كل شيء.

  باحث في شؤون السياسة الخارجية والأمن الدولي


مشاهدات 66
الكاتب سيف الدين زمان الدراجي
أضيف 2026/01/17 - 4:08 PM
آخر تحديث 2026/01/18 - 1:14 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 37 الشهر 13010 الكلي 13120433
الوقت الآن
الأحد 2026/1/18 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير