الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الآفات والحشرات الضارّة تهاجم أشجار النخيل والحمضيات

بواسطة azzaman

بعد أن تحوًلت طيور البلابل لسلع تباع في الأسواق

الآفات والحشرات الضارّة تهاجم أشجار النخيل والحمضيات

بغداد - غسان العزاوي

لطالما شكلت أرض الرافدين ونخيلها مصدر إلهام للعلماء والأدباء، غير أن الإهمال وتراكم المخاطر حالا دون بقاء هذا الإرث حياً كما كان عبر التاريخ. فالجفاف الذي يضرب نهري الأنهار والجداول كل صيف لم يعد التحدي الوحيد في العراق، بل امتد لبساتينه، لتكون أشجار النخيل والحمضيات أمام خطرٍ جامحٍ يهدد المستقبل الاقتصادي للبلاد، والسبب هو التدهور البيئي المتسارع، وعدم وجود حلولاً وبدائل تحد من تلك المخاطر، وان كانت اجراءات رسمية داخلية للوقاية وحماية عناصر البيئة.

تقديرات رسمية

فبعد أن كانت أعداد النخيل في العراق تتجاوز 32 مليون نخلة قبل عقدين من الزمن، تراجعت اليوم الى نحو 10 ملايين نخلة فقط وفق تقديرات رسمية صادرة عن الجهات الحكومية المختصة. أما هذا الانخفاض الحاد يفتح أبواب التساؤل حول مصير أكثر من 22 مليون نخلة شكلت فارقاً كبيراً تسبب بخسائر فادحة. فقد كانت تلك الأشجار تنتج مئات آلاف الأطنان من التمور العراقية المعروفة بجودتها العالية.

غش واختفاء، ثم قتل متعمد

في محافظات ديالى وبابل وصلاح الدين والأنبار ومناطق شمال بغداد، تعالت الأصوات الشعبية والمحلية من مخاطر آفة السوسة الحمراء التي تعد من أخطر الآفات التي تهدد أشجار النخيل، نتيجة ظهور هذه الحشرات بشكل مقلق في عدد كبير من بساتين المحافظات، أولها ديالى الشهيرة ببساتين النخيل والحمضيات، لتليها باقي المحافظات بالتوالي. بعد كانت تغطي احتياج كافة المحافظات العراقية أبان الحصار الاقتصادي في تسعينات القرن الماضي، ألا أنها في السنوات الأخيرة تراجعت في الانتاج نتيجة تدهور الأوضاع الأمنية ونزوح الفلاحين والجفاف والاهمال المستمر.

خلال العام الماضي 2025، زادت حدة المطالبات بحماية بساتين النخيل مما يسمى (سرطان النخيل) وهي تلك الحشرة الحمراء التي تشبه الخنفساء الصغيرة، والتي تطير وتتناقل بين الأشجار لتضع بيوضها لتفقس وتتحول ليرقات في أماكن خفية بين الأغصان (السعف) وفي أماكن التقليم التي تعرف محلياً بـ (الكراب). وتنتشر بعدها بين الأشجار لتتغذى على أنسجة النخيل من الداخل دون أن يظهر ذلك على السطح الخارجي للنخلة. فالنخلة تظهر من الخارج بمظهر سليم دون ظهور أي أعراض تستدعي التدخل العلاجي، ألا أن الحشرة تعمل من الداخل على تدمير أنسجة النخلة واتلافها تماماً، وهنا تكمن الكارثة!

ويشير المهندس الزراعي (أحمد عزالدين) وهو مختص في مجال البستنة في دائرة زراعة ديالى الى أن الحشرة لم تكن موجودة في البلاد مسبقاً، لكن استيراد فسائل نخيل من دول أخرى كانت تحمل معها بيوضاً لحشرة السوسة الحمراء، كان السبب الرئيسي لانتقال الآفة الخطيرة الى البلاد.

صيد بلابل ومنع المكافحة طبيعية

لا يتجاوز سعر الطائر الواحد منها خمسةً وعشرين ألف دينار فقط، إلا أن هذا المبلغ يغري أشخاصاً يجهلون خطورة صيد طائر البلبل أو ما يعرف محلياً بـ(بلبل التمر)، وتؤدي هذه الفصيلة من الطيور دوراً حيوياً في حماية ملايين أشجار النخيل والحمضيات عبر تغذيها على مختلف أنواع الحشرات والآفات الزراعية التي تستهدف الثروة النباتية في البلاد وعلة وجه التحديد حشرة الشوشة الحمراء القاتلة للنحيل ويرقاتها المنتشرة في قمم النخيل.

والمفارقة اللافتة أن معظم صيادي هذه الطيور هم من الفلاحين وأصحاب البساتين أنفسهم، والذين لا يدركون المنافع الكبيرة التي تقدمها لهم تلك الطيور، ولا يعلمون أهميتها لخدمة البيئة وتعزيز الاقتصاد. اذ يقومون بصيدها في بساتينهم وبيعها بآلاف معدودة، بينما يتكبدون في المقابل خسائر إنتاجية تقدر بمئات الملايين سنوياً، فضلاً عن خسارتهم لوسائل الإنتاج المستدامة في بساتينهم، وفي مقدمتها أشجار النخيل.

فلم تعد ظاهرة صيد طيور البلابل في بساتين النخيل مجرد سلوك فردي أو نشاط موسمي محدود، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى ممارسة تجارية منظمة تمارس في عدد من المحافظات الزراعية، في ظل غياب واضح للرقابة والتطبيق الفعلي للتشريعات البيئية.

سلعٍ للبيع

ففي الأسواق، تحولت طيور البلابل لسلعٍ معروضة للبيع، لكل منها سعرٍ يطابق حجمها وشكلها، بل وحتى جمالُ صوتها الذي تطلقه كـنداءات استغاثة من جهل بعض الفئات من البشر وظلمهم، أو ربما تطلقه للتحذير من كوارث بيئية واقتصادية تهددنا جميعاً، والسبب السلوكيات العدوانية المتجردة من الانسانية التي يقوم بها البعض تجاه الطبيعة ومكوناتها الحية وغير الحية

فلم تعد حرية طيور البلابل مشهداً مألوفاً لتطير هنا وتحط هناك بين الأشجار، حيث تراجعت أعدادها بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، بعد أن تحولت الى لضحايا صيد جائر بذريعة اقتنائها داخل المنازل لجمال صوتها، وقد أصبحت ظاهرة مجتمعية خطيرة وسط صمت رسمي وتجاهل للمواثيق الدولية والوطنية لحماية البيئة والحفاظ على الارث الطبيعي والتنوع للكائنات الحية.

وفي علاقة طردية، تؤدي طيور البلابل دوراً مهماً في مكافحة السوسة الحمراء طبيعياً. اذ أن كلما انخفضت اعداد البلابل في البساتين، زاد كثافة السوسة الحمراء وهجماتها على أشجار النخيل المثمرة. وهذا يعني أن زيادة أعداد البلابل هي مكافحة طبيعية للسوسة الخطيرة. حيث تتغذى البلابل على يرقات السوسة خلال ساعات النهار، ما يخلق علاقة توازن بيئي متزامن.

ويؤكد الخبير (علاء مجيد) وهو مختص في مديرية زراعة ديالى، أن البلابل هي من الطيور النافعة بيئياً، لأنها تلعب دوراً أساسياً في المكافحة الحيوية للآفات الزراعية وعلى رأسها السوسة الحمراء. فيما يؤدي صيدها الجائر إلى الإخلال بالتوازن البيئي، وهو ما ينعكس مباشرة على حق المجتمع في بيئة سليمة وآمنة، وهو حق تكفله المبادئ الدستورية والمواثيق البيئية الدولية التي التزم بها العراق.

أسواق مفتوحة

بينما تحذر الجهات العلمية من المخاطر المتزايدة لانتشار الحشرات بسبب اختفاء الطيور النافعة نتيجة الصيد، لا تزال الأسواق المحلية تشهد عرض البلابل للبيع دون مساءلة قانونية، وأمام أنظار الجهات الرسمية المختصة بحماية عناصر البيئة. ما يطرح تساؤلات عديدة حول مدى فاعلية القوانين البيئية النافذة، وقدرة الجهات المختصة على إنفاذها، لا سيما ما يتعلق بحماية التنوع الأحيائي ومنع الاتجار بالكائنات البرية، والتي لها حصانة عالمية وفق أطر قانونية دولية. ويشير خبراء قانونيون إلى أن استمرار هذه الظاهرة يعد تقصيراً في حماية الموارد الطبيعية التي تُصنف مُلكاً عام للأجيال الحالية والقادمة، مؤكدين أن مسؤولية الحفاظ على البيئة لا تقع على الأفراد فحسب، بل على المؤسسات الحكومية المعنية بالتشريع والرقابة والتنفيذ. كما أشارت مصادر شعبية من المختصين وأصحاب البساتين الى شح في مواد المكافحة وتأخير في تجهيز تلك المواد من قبل الجهات ذات العلاقة، فيما عبر الفلاحون عن سخطهم من لجوئهم الى الأسواق لشراء المواد الوقائية والعلاجية بأسعار باهظة لغرض حماية بساتينهم التي تعاني من الجفاف والآفات الزراعية والاهمال المتعمد بحسب وصفهم.

وتظهر تداعيات هذا الخلل بوضوح في المناطق الزراعية بمحافظات ديالى وبابل وصلاح الدين وأطراف العاصمة بغداد، وتليها باقي المحافظات التي ستنتقل اليها هذه الآفة الزراعية، ان بقي الحال على ما هو عليه دون اجراء سريع، فهي تهدد الأمن الغذائي المحلي وتضاعف الأعباء الاقتصادية على المزارعين في انتهاك غير مباشر لحقهم في سبل عيش مستدامة.  ويرى مختصون أن معالجة هذه الأزمة تتطلب تفعيل القوانين البيئية القائمة، وسن تشريعات أكثر صرامة تجرم الصيد العشوائي والاتجار بالطيور البرية، إلى جانب إطلاق حملات توعية مجتمعية تسلط الضوء على البعد الحقوقي لحماية البيئة، باعتبارها مسؤولية جماعية لا تحتمل التأجيل.

فيما حذر مختصون بيئيون من استمرار هذا الإهمال الذي قد يحول المشكلة البيئية إلى أزمة زراعية واقتصادية واسعة، تهدد واحدة من أهم الثروات الوطنية في العراق. مؤكدين أن المعالجة لا تقتصر على المنع والعقاب، بل تتطلب تشريعاً فعال، ورقابة حقيقية وتوعية مجتمعية، تعيد الاعتبار لدور الإنسان كشريك في حماية البيئة لا خصماً أو عدواً لها.


مشاهدات 94
أضيف 2026/01/17 - 12:37 AM
آخر تحديث 2026/01/19 - 7:54 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 395 الشهر 14259 الكلي 13121682
الوقت الآن
الإثنين 2026/1/19 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير