إلى الكاظمية.. حين تمشي القلوب قبل الأقدام
حاكم الشمري
ليست زيارة الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) رحلة مكان، بل رحلة روح. فمنذ أن يقترب الزائر من بغداد، يشعر أن الطرق تغيّر نبرتها، وأن الأرصفة تحفظ وقع أقدامٍ مشت منذ قرون، ولا تزال تمشي بالنية ذاتها
في أيام الزيارة، لا تعود الكاظمية حيًّا من أحياء بغداد، بل تتحول إلى قلب نابض، تتجه إليه الطرق من الجنوب والشمال، من القرى البعيدة والأزقة القريبة. رجال ونساء، شيوخ وأطفال، يسيرون بصمتٍ أحيانًا وبالدعاء أحيانًا أخرى، لكنهم جميعًا يحملون الحكاية نفسها..طقس الزيارة يبدأ بالمشي. ليس لأن الطريق قصير أو سهل، بل لأن المشي يشبه الإمام. خطوات بطيئة، تعبٌ محتمل، وصبرٌ على الحر أو البرد. بعضهم يمشي نذرًا، وبعضهم شكرًا، وآخرون يمشون لأن القلب لا يعرف طريقًا آخر.
على جانبي الطريق، مواكب لا تُحصى. قدور تغلي، شاي يُسكب بلا مقابل، وأيدٍ تمتد قبل أن تُطلب. لا أحد يسأل من أنت، ولا من أين جئت. يكفي أنك زائر الكاظم، لتكون ضيف الجميع. الخدمة في زيارة الإمام الكاظم ليست فعل كرم فقط، بل عقيدة متجسدة. شابٌ يربط حذاء زائر، امرأة تمسح جبين متعب، طفل يوزّع الماء بابتسامة خجولة. لا كاميرات، ولا أسماء، ولا انتظار شكر. الجميع يعمل بصمت، كأنهم يتعلّمون من سيرة الإمام الذي خدم الحق بصبرٍ طويل.
اختفاء الفوارق
في هذه الأيام، تتساوى البيوت، وتختفي الفوارق. الغني والفقير يقفان في الصف نفسه، ويشربان من الكأس نفسها، ويأكلان على الأرض نفسها.
حين يصل الزائر إلى مرقد الإمام موسى الكاظم (عليه السلام)، تخفّ الخطوات، ويثقل القلب. هنا لا تُقرأ الأدعية من الكتب فقط، بل من الذاكرة، من الوجع، من الأسماء التي لم تُشفَ بعد.
أكفٌ مرفوعة، دموعٌ صامتة، وهمسات لا يسمعها أحد. بعضهم جاء يطلب فرجًا، بعضهم شفاءً، وبعضهم جاء فقط ليقول: سيدي… ما زلنا نحاول أن نكون كما أردتنا.
الضريح لا يميّز بين زائر وآخر، كما لم يميّز الإمام بين الناس. الجميع يقفون أمام باب الصبر، ويتعلّمون أن الكرامة لا تُنتزع، بل تُصان.
تنتهي الزيارة جسدًا، لكنها تبدأ أثرًا. يعود الزائر إلى بيته مختلفًا، أخفّ حزنًا، أثقل يقينًا. يحمل معه رائحة المكان، وصوت الدعاء، وذكرى تلك اللحظة التي شعر فيها أنه لم يكن وحده.
زيارة الإمام الكاظم ليست حدثًا سنويًا، بل مدرسة مستمرة. تعلّم الناس أن الصبر موقف، وأن الخدمة شرف، وأن المشي نحو الحق لا يحتاج إلا نية صادقة وخطوة أولى.
وفي كل مرة، حين تُذكر الكاظمية، يعرف العراقيون أن هناك إمامًا علّمهم كيف يكون الإنسان كبيرًا… حتى وهو خلف القضبان.