الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ضربة واحدة كفيلة بأن تعيدنا عشرين عاماً إلى الوراء

بواسطة azzaman

ضربة واحدة كفيلة بأن تعيدنا عشرين عاماً إلى الوراء

دعاء يوسف 

 

ليس الأمر مبالغة.

صوت انفجار واحد في مدينة عراقية قادر أن يفتح أبواب الذاكرة دفعةً واحدة، ويعيدنا إلى سنوات ظننا أننا أغلقناها جيداً.

 

نعتقد أحياناً أننا تجاوزنا زمن الحروب، وأن تلك المرحلة أصبحت مجرد فصل ثقيل في كتاب العمر. لكن الحقيقة أن ضربة واحدة تكفي لتوقظ كل شيء:

الغارات، القصف، أصوات الصواريخ، دويّ المدفعيات، رائحة البارود، والليالي الطويلة التي لم تكن تنتهي.

 

لم نعش تلك الأحداث يوماً واحداً أو ليلةً عابرة.

عشناها سنوات.

كبرنا داخلها.

 

كبرنا ونحن نعرف معنى الدفاع المدني أكثر مما نعرف ألعاب الطفولة.

تعلمنا الإسعافات الأولية قبل أن نتعلم دروس الحياة.

حفظنا طريق الملاجئ كما نحفظ طريق المدرسة.

 

ماكو كهرباء.

ماكو مي.

ماكو أمان.

 

الشبابيك كانت تُلصق باللاصق خوفاً من ضغط الانفجارات.

نُطفئ الأضوية فور سماع الإنذارات.

نحسب اتجاه الشظايا ونتوقعها تتعدّى عن الشبابيك.

أقنعة الكيماوي كانت جزءاً من أحاديثنا اليومية.

 

تغلغلت هذه التفاصيل في طفولتنا ومراهقتنا حتى أصبحت جزءاً من تكويننا النفسي.

صرنا نقرأ الأخبار بقلقٍ فطري، ونحسب المسافات بيننا وبين أي حدث أمني كما لو أننا ما زلنا هناك.

 

نحن شعب لا نخاف من الموت.

ليس لأن الموت بسيط…

لكن لأننا رأيناه قريباً جداً منا.

رأيناه في الشارع،

في الأحياء،

في وجوه الناس.

 

صار منظر الجثث مألوفاً لدرجة مؤلمة.

حتى الحيوانات في الشارع — القطط والكلاب — تعلّمت تتغذى عليها، وتبدّلت طبيعتها، وصار عندها سلوك مفترس.

مشهد لا يُنسى.

مشهد يترك أثره لا على الأرض فقط… بل داخل الروح.

 

كنا إذا دخلنا شارعاً نتوقع أنه قد شهد انفجاراً.

نتلفّت قبل أن نخطو.

نتردد قبل أن نقترب.

 

كانت هناك مواقف أقسى من الخيال.

جثة مرمية في الطريق،

يقترب منها شخص بدافع إنساني ليساعد…

فتكون مفخخة،

وتنفجر بمن يقترب،

وتحصد عشرات الضحايا دفعة واحدة.

 

كبرنا ونحن نعرف أن الخطر قد يكون مختبئاً حتى في الرحمة.

 

الموت في تلك السنوات لم يكن فكرة بعيدة.

كان احتمالاً يومياً.

كان يحاوطنا من كل مكان ومن كل زمان.

 

لم يكن لدينا ضمان حقيقي،

ولا شبكة أمان،

ولا يقين أرضي يحمينا.

 

الشيء الوحيد الذي تمسكنا به هو ثقتنا بالله سبحانه وتعالى.

كنا ننام على هذا اليقين ونستيقظ عليه.

كان هو الساتر الوحيد حين تتساقط كل السواتر.

 

اليوم، ربما تغيّرت الشوارع،

وتبدّلت الوجوه،

وعادت بعض ملامح الحياة.

 

لكن الحقيقة أن ذاكرتنا لا تحتاج سوى صوت واحد لتعود كاملة، بكل تفاصيلها، وكأن السنوات لم تمر.

 

نحن نروي هذه القصص لأطفالنا،

لا لنخيفهم،

بل لنشرح لهم لماذا ترتجف أصواتنا أحياناً عند سماع دويّ بعيد.

 

نرويها بذاكرة مثقلة،

بقلب محمّل،

وبأملٍ أن لا يعيشوا ما عشناه.

 

نحن لم ننسَ.

نحن فقط تعلّمنا كيف نعيش رغم كل شيء.


مشاهدات 50
الكاتب دعاء يوسف 
أضيف 2026/03/02 - 3:20 PM
آخر تحديث 2026/03/03 - 4:20 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 187 الشهر 2490 الكلي 14956559
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/3/3 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير