كيف نصنع ضحايا التنمّر؟
فاروق الدباغ
في كثير من البيوت والمدارس يظهر طفل يصفه الكبار بأنه (محير). طفل ذكي، لغته جيدة، ذاكرته قوية، لكنه ينهار فجأة عند تغيير بسيط في الروتين، يغضب بلا سبب يبدو مفهومًا، ينسحب من اللعب الجماعي رغم رغبته في المشاركة، أو يتمسك بتفاصيل صغيرة بإصرار يرهق من حوله. الأهل يحتارون، المعلمون يفسّرون كلٌ من زاويته، وغالبًا ما يُختصر المشهد بجملة قاسية: هذا طفل صعب. لكن الحقيقة أن هذا السلوك ليس لغزًا، بل رسالة غير مفهومة بعد.
في البيت قد يظهر الطفل حساسًا بشكل مفرط للأصوات أو اللمس، ينزعج من تجمع عائلي بسيط، أو يرفض تغيير ترتيب أشيائه كأنه يدافع عن شيء مصيري. قد يبدو عنيدًا، أو مبالغًا في ردود فعله، أو “دلالًا” كما يُقال. وفي المدرسة قد يواجه صعوبة في اللعب الجماعي رغم محاولاته الصادقة، يفهم التعليمات بشكل حرفي، لا يلتقط السخرية أو النكات، ويقع في صدامات متكررة مع أقرانه لأنه يسيء تفسير النوايا. كثيرًا ما يصبح هدفًا سهلاً للتنمر لأنه مختلف، ليس لأنه ضعيف، بل لأنه لا يمتلك الأدوات الاجتماعية غير المعلنة التي يمتلكها الآخرون بالفطرة.
هذه السلوكيات، في كثير من الحالات، ليست سوء تربية ولا قلة ذكاء ولا خللاً أخلاقيًا، بل تعبير عن دماغ يعمل بطريقة مختلفة. هنا يظهر دور متلازمة أسبرجر أو أحد أطياف التوحد عالية الأداء. الخلل الجوهري لا يكون في القدرة العقلية، بل في فهم الإشارات الاجتماعية غير اللفظية، قراءة تعابير الوجه ونبرة الصوت، تفسير النوايا المضمرة، والمرونة الذهنية عند التغيير المفاجئ. الطفل يريد الانتماء، لكنه لا يفهم قواعد اللعبة الاجتماعية التي لم يشرحها له أحد.
عندما لا يُفهم هذا مبكرًا، يدفع الطفل ثمنًا باهظًا. يصبح عرضة للتنمر من أقرانه، وأحيانًا من إخوة أكبر سنًا لا يدركون هشاشته العصبية، بل وقد يتعرض لضغط أو عقاب من معلمين حسني النية لكنهم يفسرون السلوك خطأ. الطفل لا يتعلم فقط أنه مختلف، بل يبدأ في الاعتقاد أنه مشكلة. هنا تتشكل بذور القلق والانسحاب والخجل المرضي التي قد ترافقه إلى المراهقة والبلوغ.
متلازمة أسبرجر في الطفولة لا تختفي تلقائيًا مع التقدم في العمر، بل تتحول تحدياتها وتظهر بأشكال مختلفة في حياة البالغ. كثير من البالغين الذين نشأوا دون تشخيص أو دعم يكونون أذكياء وواعين وناجحين أكاديميًا، لكنهم يدفعون ثمنًا نفسيًا واجتماعيًا صامتًا. يعانون من صعوبات في العلاقات بسبب سوء الفهم لا سوء النية، من إرهاق اجتماعي نتيجة محاولات دائمة للتمثيل والاندماج، ومن قلق واكتئاب ونوبات هلع يغذيها إحساس مزمن بعدم الانتماء. في العمل قد يكونون كفؤين جدًا تقنيًا، لكنهم يتعثرون بسبب الغموض والمجاملات غير المباشرة والسياسات غير المكتوبة. وقد يُساء فهم حساسيتهم الحسية على أنها دلال أو مبالغة، بينما هي في الواقع استجابة عصبية حقيقية.
لهذا تصبح مهارات الأطباء والأمهات والمربين حاسمة. المطلوب ليس محاولة “تصحيح” شخصية الطفل أو دفعه ليكون نسخة أخرى، بل قراءة السلوك قبل الحكم عليه. تعليم ما لا يُعلَّم عادة، شرح قواعد الصداقة والتفاعل خطوة خطوة، تدريب الطفل على تسمية ما يحدث له بدل تركه غارقًا في الإحساس الغامض بالخطأ. حماية الطفل من التنمر مسؤولية الكبار لا عبء يُلقى على كتفيه، ووضع حدود واضحة داخل الأسرة والمدرسة ليس قسوة بل أمان. تقوية هوية الطفل، مساعدته على فهم نفسه، وتعليمه أن اختلافه ليس عيبًا بل نمط وجود مختلف، هو حجر الأساس لأي تدخل ناجح.
التشخيص المبكر هنا ليس وصمًا، بل وقاية. كلما فُهم الطفل مبكرًا، قلت احتمالات تطور القلق والاكتئاب والسلوكيات الانسحابية لاحقًا. الطفل الذي يُشرح له عالمه في وقت مبكر لا يكبر وهو يظن أنه فاشل أو غريب أو غير مرغوب. يكبر وهو يعرف حدوده ونقاط قوته معًا.
ورغم كل التحديات، كثير من الأطفال مع أسبرجر يمتلكون تركيزًا عاليًا، أمانة فكرية، قدرة تحليلية عميقة، وحسًا أخلاقيًا قويًا. المشكلة ليست في قدراتهم، بل في بيئة لا تفهم الاختلاف ولا تفسح له مساحة. المأساة الحقيقية ليست متلازمة أسبرجر، بل سوء الفهم المبكر. عندما نقرأ السلوك بدل أن نقمعه، ونشرح العالم بدل أن نعاقب الطفل، نمنحه فرصة أن يكبر آمنًا من التنمر، متوازنًا نفسيًا، وقادرًا على الانتماء دون أن يتخلى عن ذاته.