الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حرب التصريحات بين واشنطن وطهران

بواسطة azzaman

حرب التصريحات بين واشنطن وطهران

قتيبة آل غصيبة

 

قد لا يروق هذا التحليل لكثيرين ممن يراهنون؛ بدافع الغضب أو الأمل أو الرغبة في الخلاص السريع؛ على تدخل عسكري أمريكي مباشر لإسقاط النظام الإيراني؛ ويرون فيه حلاً حاسماً لكل أزمات المنطقة، غير أن التحليل السياسي الرصين لا يُبنى على ما نتمناه؛ بل على ما هو ممكن؛ ولا ينطلق من حرارة العاطفة؛ بل من هدوء العقل، فالتاريخ السياسي لا يكافئ المتفائلين؛ بل يحاسب من يخطئون في قراءة موازين القوى؛ ويعاقب من يخلطون بين الرغبة والواقع، ومن هذا المنطلق؛ فإن فهم حرب التصريحات بين واشنطن وطهران؛ وحدودها الفعلية؛ يتطلب التحرر من الأوهام؛ والنظر إلى الوقائع كما هي؛ لا كما نحب أن تكون.

تُعَّرف حرب التصريحات : (بأنها استخدام التصريحات والبيانات الإعلامية كأداة للتأثير النفسي والسياسي في الصراعات، وتلعب دوراً مهماً في الحرب النفسية كجزء من أدوات الحرب الناعمة، وتتمثل باستخدام القادة والمسؤولين لتصريحات مدروسة لإرسال رسائل معينة إلى الأعداء أو الحلفاء أو الجمهور الداخلي، هذه التصريحات قد تكون تهديدات أو وعود أو إشارات لتحقيق أهداف سياسية أو عسكرية، من خلال، التأثير على معنويات الخصوم والحلفاء؛ أو إرسال رسائل مضللة لتشتيت العدو أو تغيير توقعاته؛ أو استخدامها لزيادة الضغط على الأعداء لفرض مطالب معينة؛ أو توجيه الخطاب الإعلامي لخدمة الأهداف الاستراتيجية.

نفسية مفتوحة

عموماً، فإن العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران؛ تشهد تصعيداً متواصلاً في مستوى الخطاب السياسي؛

حيث تحوّلت التصريحات المتبادلة بين مسؤولي الطرفين إلى ما يشبه حرباً نفسية مفتوحة تعكس عمق الصراع الاستراتيجي بينهما، إذ تصف واشنطن النظام الإيراني بوصفه مصدراً رئيسياً لعدم الاستقرار في الشرق الأوسط؛ وتتهمه بدعم جماعات مسلحة عابرة للحدود وبتقويض أمن حلفائها، فيما ترد طهران باتهام الولايات المتحدة بالسعي لإسقاط النظام؛ وتقويض سيادة إيران؛ وإخضاعها لإرادة خارجية، ورغم حدّة هذا الخطاب، فإن السؤال الجوهري لا يتعلق بما يُقال؛ بل بما يمكن أن يحصل فعلياً على أرض الواقع.

من زاوية واقعية بحتة، تبدو الولايات المتحدة شديدة التحفظ في الانتقال من لغة التهديد إلى خيار الحرب والتدخل العسكري؛ فالتجارب الأمريكية القاسية في العراق وأفغانستان ما تزال ماثلة بقوة في الذاكرة الاستراتيجية الأمريكية؛ وقد أثبتت أن إسقاط الأنظمة بالقوة العسكرية لا يعني تلقائياً بناء أنظمة مستقرة أو صديقة؛ بل كثيراً ما يؤدي إلى فراغات خطيرة وفوضى ممتدة وتكاليف بشرية واقتصادية وسياسية باهظة، ولهذا؛ فإن واشنطن تميل إلى إدارة الصراع مع إيران عبر أدوات الضغط القصوى غير العسكرية، مثل العقوبات الاقتصادية؛ والحصار  المالي؛ والعزل السياسي؛ والعمليات غير المباشرة؛ مع إبقاء الخيار العسكري في إطار الردع أو الضربات المحدودة؛ لا في مشروع إسقاط شامل للنظام.

وفي هذا السياق تحديداً، لا يمكن فهم السلوك الأمريكي تجاه إيران بمعزل عن الاستراتيجية الأوسع التي تعتمدها الولايات المتحدة في إدارة الأزمات الدولية؛ والتي تقوم على مبدأ؛ (النزاعات المحدودة المسيطر عليها)؛ لا على حسم الصراعات أو إنهائها جذرياً، فواشنطن لا تسعى بالضرورة إلى إسقاط الأنظمة المعادية لها إذا كان ذلك يفضي إلى فراغات خطيرة أو فوضى غير قابلة للضبط؛ بل تفضّل الإبقاء على مستوى محسوب من التوتر يسمح لها بإدارة الصراع والتحكم بإيقاعه وحدوده، هذه المقاربة تتيح للولايات المتحدة، استنزاف خصومها؛ وضبط سلوكهم؛ ومنعهم من التحول إلى قوة مهيمنة؛ من دون تحمّل كلفة الحروب الشاملة أو أعباء إعادة بناء الدول المنهارة، ومن هنا؛ يمكن قراءة حرب التصريحات مع إيران بوصفها جزءاً من هذه المعادلة؛ حيث يُستخدم التصعيد اللفظي والضغط الاقتصادي والتهديد العسكري كأدوات لإبقاء الصراع تحت السيطرة؛ لا كمدخل فعلي لحسمه أو إنهائه؛ وبما ينسجم مع تقليد أمريكي راسخ في إدارة النزاعات لا حلّها.

وفي حال افتراض سيناريو إسقاط النظام الإيراني، فإن التداعيات على المصالح الأمريكية ستكون مزدوجة، فمن جهة، قد ترى واشنطن في ذلك فرصة لتقليص نفوذ خصم استراتيجي لطالما عرقل مشاريعها الإقليمية وهدد مصالحها وحلفاءها، لكن من جهة أخرى فإن انهيار نظام مركزي في دولة بحجم وتعقيد إيران قد يفتح الباب أمام فوضى داخلية؛ وصراعات إثنية ومذهبية؛ وانتشار السلاح؛ وتهديد طرق الطاقة العالمية؛ وهو ما قد يحول إيران من خصم يمكن احتواؤه إلى أزمة مفتوحة يصعب التحكم بمآلاتها.

أما فيما يخص الكيان الصهيوني، فرغم أن إضعاف أو سقوط النظام الإيراني ينسجم مع رؤيته الأمنية التي تعتبر طهران التهديد الإقليمي الأكبر؛ إلا أن النتائج قد لا تكون بالضرورة في صالحها بالكامل، فالحرب أو الانهيار قد يفتحان جبهات متعددة؛ ويؤديان إلى تصعيد غير مسبوق عبر قوى غير منضبطة؛ أو إلى بروز قوى جديدة أكثر تطرفاً وأقل قابلية للردع، ما يضع الكيان الصهيوني أمام تحديات أمنية أشد تعقيداً مما هو قائم اليوم.

انهيار مفاجئ

وما يتعلق بالعراق؛ بدوره يقف في قلب هذا الصراع ويتأثر به أكثر من غيره، فالتشابك العميق بين الداخل العراقي والنفوذ الإيراني يجعل أي انهيار مفاجئ في طهران عاملاً مباشراً لعدم الاستقرار في العراق، فالفصائل المسلحة المرتبطة بإيران قد تدخل في حالة ارتباك أو تصارع داخلي؛ وقد يتحول العراق إلى ساحة مفتوحة لتنافس إقليمي ودولي لملء الفراغ في ظل دولة ما زالت تعاني من هشاشة سياسية وأمنية عميقة.

أما دول الخليج العربي، فإن إسقاط النظام الإيراني سيضعها أمام معادلة معقدة لا تخلو من التناقض، فمن جهة؛ قد يُنظر إلى تراجع النفوذ الإيراني باعتباره فرصة لتقليل التهديدات الأمنية المباشرة؛ لكن في المقابل فإن أي انهيار داخلي أو فوضى ممتدة في إيران قد تهدد أمن الخليج ذاته من خلال؛ اضطراب الملاحة في مضيق هرمز؛ أو عبر تصاعد المخاطر الأمنية؛ أو من خلال التأثيرات المباشرة على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.

وفي جوهر هذا الصراع، فإن الولايات المتحدة لا تسعى  بالضرورة إلى إسقاط النظام الإيراني؛ بقدر ما تسعى إلى إعادة ضبط سلوكه الاستراتيجي بما ينسجم مع مصالحها الإقليمية والدولية، فالمطلب الأمريكي الأساسي يتمثل في كبح البرنامج النووي الإيراني وقوتها الصاروخية ومنعه من التحول إلى قدرة عسكرية؛ وضمان بقاء إيران ضمن عتبة ردع يمكن التحكم بها، وإلى جانب ذلك؛ تريد واشنطن تقليص الدور الإقليمي لطهران؛ ولا سيما نفوذها عبر الأذرع المسلحة في العراق وسوريا ولبنان واليمن؛ بما يحدّ من قدرتها على تهديد الحلفاء الأمريكيين أو تعطيل التوازنات الإقليمية، كما تطالب الولايات المتحدة إيران بالانخراط في منظومة الاقتصاد العالمي وفق قواعده؛ والتخلي عن سياسات المواجهة المفتوحة؛ دون أن يعني ذلك بالضرورة تغييراً أيديولوجياً في بنية النظام، وبمعنى أدق، فإن واشنطن تفضّل نظاماً إيرانياً قائماً لكنه مُقيَّداً؛ يمكن احتواؤه وردعه؛ على بديل فوضوي أو انهيار شامل يخرج عن السيطرة ويُنتج تهديدات أشد خطورة على المدى البعيد.

في المحصلة النهائية، تكشف حرب التصريحات بين واشنطن وطهران عن صراع طويل الأمد تُستخدم فيه اللغة النارية كأداة ضغط وردع؛ أكثر من كونها تمهيداً لحرب تهدف إلى إسقاط النظام الإيراني، فالتفاؤل بالتدخل العسكري الأمريكي قد يبدو مريحاً نفسياً للبعض؛ لكنه يتجاهل تعقيدات الواقع ومخاطر نتائجه، فالسياسة لا تُدار بالقلب؛ بل بالعقل؛ ولا تُقاس بالنوايا المعلنة؛ بل بتوازنات القوة وحسابات المصالح، ومن يقرأ المشهد بعين باردة يدرك أن أخطر ما في هذا الصراع ليس ما يُقال؛ بل ما قد يحدث إذا اختلط الوهم بالقرار؛ والعاطفة بالتحليل.

والله المستعان


مشاهدات 88
الكاتب قتيبة آل غصيبة
أضيف 2026/01/14 - 3:11 PM
آخر تحديث 2026/01/15 - 6:52 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 201 الشهر 10932 الكلي 13118355
الوقت الآن
الخميس 2026/1/15 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير