الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
غرينلاند...المفتاح المتجمد الذي قد يفجر الناتو

بواسطة azzaman

غرينلاند...المفتاح المتجمد الذي قد يفجر الناتو

لماذا تحولت “النكتة العقارية” إلى عقيدة حرب أمريكية؟

مهنا نافع

 

لم يعد الحديث عن “شراء” كرينلاند تغريدة عابرة أو مزحة عقارية كما خُيّل للعالم قبل سنوات. فمع إشراقة صباح السادس من يناير 2026، استيقظت العواصم الأوروبية على واقع جيوسياسي جديد، أعلن فيه البيت الأبيض صراحة أن الجزيرة القطبية لم تعد “معروضة للشراء”، بل باتت “ضرورة حتمية” للأمن القومي الأمريكي، ملوحاً بخيار القوة العسكرية لفرض السيطرة. هذا التحول الدراماتيكي، الذي جاء متزامناً مع تحركات عسكرية أمريكية في أمريكا الجنوبية، يطرح تساؤلاً مصيرياً: ما الذي تخفيه ثلوج كرينلاند لتجازف واشنطن بنسف حلف الناتو من أجله؟

في هذا التقرير الخاص، تناقش “الزمان” الأبعاد الخفية للرغبة الأمريكية، متجاوزة السطح السياسي إلى عمق “فيزياء الحرب” وحروب الموارد التي تحرك هذا الصراع.

فيزياء الحرب: “القبة الذهبية” وهندسة الاعتراض

خلف الكواليس الدبلوماسية، يدرك المخططون الستراتيجيون في البنتاغون حقيقة مرعبة تفرضها الجغرافيا: الولايات المتحدة مكشوفة. إن انحناء الكرة الأرضية يفرض على أي صاروخ باليستي أو “فرط صوتي” (Hypersonic) ينطلق من روسيا أو الصين باتجاه المدن الأمريكية أن يمر حصراً فوق القطب الشمالي.

وهنا تكمن “عقدة كرينلاند”. فالقواعد الحالية في ألاسكا وكاليفورنيا تضطر لمطاردة الصواريخ المعادية من زوايا جانبية، مما يقلل احتمالية الإصابة. أما السيطرة المطلقة على شمال كرينلاند، فتسمح بنصب ما يسمى بـ”القبة الذهبية”، وهي منظومة دفاعية تتيح الاشتباك مع الصواريخ “وجهاً لوجه” في منتصف مسارها فوق القطب، وتطبيق عقيدة “أطلق-انظر-أطلق” (Shoot-Look-Shoot)، التي تمنح واشنطن فرصتين لاعتراض الصاروخ النووي قبل وصوله. لذا، فإن تطوير قاعدة “بيتو فيك” (ثول سابقاً) من رادار للإنذار إلى منصة اشتباك نشطة، لم يعد خياراً، بل مسألة حياة أو موت للنظام الدفاعي الأمريكي.

حرب “الأتربة النادرة”: كسر الاحتكار الصيني

السبب الخفي الثاني لا يقل خطورة، ويتعلق بقلب الصناعة العسكرية الحديثة. فبينما تهيمن الصين حالياً على قرابة 70% من استخراج و90% من معالجة “المعادن الأرضية النادرة”، تقبع تحت جليد كرينلاند أكبر احتياطيات غير مستغلة في العالم من هذه المعادن (حوالي مليار طن).

هذه ليست أرقام اقتصادية؛ فهذه المعادن هي “الوقود” الذي يشغل محركات مقاتلات F-35، وأنظمة التوجيه في صواريخ “توماهوك”، والمحركات الصامتة للغواصات النووية. ترى واشنطن أن استمرار اعتماد ترسانتها العسكرية على سلاسل توريد يسيطر عليها الخصم هو “انتحار ستراتيجي”، وأن الحل الوحيد هو وضع اليد المباشرة على مناجم كرينلاند لقطع “الحبل السري” الاقتصادي الذي يربط الجزيرة بالدنمارك، وتأمين استقلال تكنولوجي كامل عن بكين.

فجوة “جيوك” (GIUK) وعودة مبدأ مونرو

ستراتيجياً، أعاد ذوبان الجليد تشكيل خريطة التهديدات. فتحول القطب الشمالي من حاجز جليدي صلب إلى طريق بحري مفتوح ومزدحم. كرينلاند تمثل الركيزة الغربية لـ”فجوة جيوك” (GIUK Gap) ممر الاختناق البحري الحيوي بين كرينلاند وأيسلندا والمملكة المتحدة.

السيطرة الأمريكية المباشرة على سواحل الجزيرة تهدف لإغلاق هذا الممر في وجه الغواصات الروسية القادمة من شبه جزيرة “كولا”، ومنعها من الوصول إلى شمال الأطلسي لتهديد قوافل الإمداد بين أمريكا وأوروبا. واشنطن تعيد اليوم تعريف “مبدأ مونرو”، لتعتبر أن القطب الشمالي هو امتداد للمجال الحيوي الأمريكي، وأن أي وجود “مزدوج الاستخدام” (استثمارات صينية أو مطارات مدنية) في كرينلاند هو تهديد مباشر للبر الأمريكي لا يمكن التسامح معه.

سيناريو الكابوس: نهاية الناتو؟

الخطر الأكبر في هذه الرغبة الأمريكية ليس عسكرياً فحسب، بل سياسياً بامتياز. فالتلويح باستخدام القوة ضد الدنمارك – العضو المؤسس في الناتو – يخلق ما يسمى بـ”مفارقة المادة الخامسة”. فهل ستجرؤ الدول الأوروبية على تفعيل بند الدفاع المشترك ضد الولايات المتحدة إذا ما نفذت “ملائكة القطب الشمالي” (الفرقة 11 المحمولة جواً) إنزالاً في نوك؟

الإجابة المرجحة هي “لا” عسكرية، ولكن “نعم” لحرب اقتصادية طاحنة وانهيار سياسي للتحالف الغربي. إن الرغبة الأمريكية في احتلال كرينلاند تؤذن بنهاية النظام العالمي القائم على القواعد، وبداية عصر جديد تكون فيه السيادة “منحة” للقوى العظمى، والحدود لاتعدو أن تكون خطوط وهمية أمام ضرورات “فيزياء الحرب”.

 


مشاهدات 44
الكاتب مهنا نافع
أضيف 2026/01/14 - 2:26 PM
آخر تحديث 2026/01/15 - 12:37 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 412 الشهر 11143 الكلي 13118566
الوقت الآن
الخميس 2026/1/15 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير