الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
صدى الروح

بواسطة azzaman

صدى الروح

فراس عبد الحسين

 

وصل إياد بعد غياب خمسة وعشرين عامًا، ولم يعرف تمامًا ما الذي جاء به. لم يكن حنينًا عاديًا؛ بل شعورًا أكثر تعقيدًا. حنين من لا يتذكر لماذا اشتاق، أو طعم مفقود يبحث عنه اللسان في زحمة المذاقات الجديدة. تلك العودة بحثًا عن جزء مفقود من الروح، صدىً لقصة لم تُروَ بعد، أشبه بفك رموز لغز قديم أرهقه في الغربة.

دخل القرية بسيارة حديثة، محركها يكاد لا يُسمع، وكأنه ينسل في هدوء إلى عالم قديم. جسده ناحل يرتدي بدلة رمادية أنيقة، لكنها لا تُخفي انحناءة كتفيه وتعب عينيه. عيناه، رغم كل النجاح الذي حققه في عواصم العالم الصاخبة، ظلتا متعبتين، كأنهما لم تناما منذ سنواتٍ طويلة، أو كأن فيهما شيئًا لا ينطفئ، ولا يُقال بوضوح.

حملت تلك العيون ثقل السنوات الطويلة في مدن الضجيج، قصصًا من الصخب والوحدة الروحية، وأسئلةً مؤرقةً لا تُجاب مهما طال البحث. لم يكن مجرد عائدٍ، بل شبحٌ يحمل معه صدى ماضٍ يطارده ووطأة حاضرٍ مثقلٍ بالخيبات.

حين نزل من السيارة، وقف لحظة طويلة يتأمل القرية بتأنٍ. لا شيء تغيّر كثيرًا في ملامحها، سوى أنه لم يعد الصبي نفسه. الشوارع الترابية التي شهدت ركضه الطائش ذات يوم، البيوت الطينية التي تحمل رائحة الماضي العتيقة، رائحة التراب بعد رطوبة الصباح الأولى، ضجيج الصمت الذي تكسره أصوات العصافير.. كلها بدت له كأنها تخرج من حلم بعيدٍ منسي.

تلك الشوارع همست بأسماء رفاقٍ قدامى وضحكاتٍ منسية، لكنه لم يعد يسمعها بوضوح. هوية القرية بقيت ثابتة، بينما هويته قد تشظت وتغيرت بفعل الزمن، ليعود غريبًا على نفسه قبل أن يكون غريبًا على المكان الذي ولد فيه. شعر فجأة أنه الدخيل على هذا المشهد الذي بقي أمينًا على هويته الأصيلة بلا تغيير.

في صغره، كان يحلم بعالم واسع لا تُحدّه الحقول الصفراء ولا جدران المدرسة الطينية المتواضعة. له خريطة مرسومة بخط يده اليافعة على ظهر دفتر الرياضيات القديم، يربط فيها بغداد بباريس، وباريس بنيويورك، لم يُرد الهرب من قريته فقط، بل أراد أن يحلّق بعيدًا لدرجة لا يعود يتذكر اسمه الأول أو من أين جاء. أحلامه تدفقت كشلالٍ هادر، لا يحدها سقف أو جدار، بل امتدت لتلامس أفقًا بعيدًا لا نهاية له.

كل كلمة يخطها على دفتره مثّلت خطوةً عملاقةً نحو التحرر من قيود الواقع القروي البسيط. يركض دومًا نحو ما لا يملكه، نحو المجهول الذي يَعِد بالروعة. ينظر إلى المجلات الأجنبية التي تصل إلى القرية بالصدفة النادرة، إلى تصاميم الجسور الغريبة التي تربط مدنًا عابرة للبحار، ويشعر أن روحه لا تنتمي لهذا التراب الذي يكبح جماح أحلامه المتوقدة. لم يبغض الأرض، لكنه خاف أن تمتصّه فلا يخرج أبدًا من قبضتها.

لهذا، حين حصل على منحة دراسية في باريس، حمل حقيبته ومضى، دون أن يلتفت، دون أن يودّع أحدًا، وكأنه يقطع حبل السرة مع ماضيه إلى الأبد، ليولد من جديد. المغادرة كانت بمثابة ولادة جديدة، قطعٌ جذريٌّ لا رجعة فيه مع كل ما يربطه بالماضي البسيط، وبداية لرحلة بحثٍ محمومة عن ذاتٍ أخرى في عالمٍ آخر لم يعرفه من قبل.

سالم، شقيقه الأصغر، مختلفٌ تمامًا عنه. بعينين سوداوين واسعتين تعكسان نقاء الروح، وجسد قوي حفرته الشمس، هو ابن الأرض من البداية وإلى الأبد. لم يحلم كثيرًا. أقصى ما تمناه يومًا امتلاك جرار زراعي جديد يخفف عليه عناء الحراثة الشاقة، وتوسيع الساقية حتى لا تضطر أمه إلى حمل الدلاء الثقيلة. لكنه في بساطته الظاهرة، يملك شيئًا لم يفهمه إلا متأخرًا وبعد فوات الأوان.

يعرف كيف يعيش في اللحظة بكل تفاصيلها، كيف يفرح بالشتاء إذا جاء بمطره ودفئه، وبالعصافير إذا بنت عشّها في السقف. يفرح، ويشكر، ثم ينام دون أن يخطط للغد، وحياته قصيدة تُكتب دون أن يعرف شاعرها نهايتها أو إيقاعها. سالم يجسد السلام الداخلي العميق، إنسانٌ متصالحٌ مع ذاته ومع واقعه البسيط، يجد السعادة الحقيقية في تفاصيل الحياة اليومية التي يغفل عنها الكثيرون ببحثهم عن الكمال. روحه شفافة كالهواء، تعكس نقاء الأرض التي احتضنته بحب، بعيدًا عن صخب الطموح وقلق المستقبل الذي لاحق أخاه طويلًا.

الشجرة التي استقبلته كانت شجرة تين باسقة، غرسها سالم بعد عام من رحيله. لم تكن هنا حين غادر القرية. لكنها وقفت اليوم باسقة بكل عنفوان، أوراقها ناضجة وخضراء، وظلّها بارد يغطي مساحة كبيرة من الأرض. أحس أنها تراقبه وتعرفه جيدًا كأنها كائن حي.

ربما كانت علامةً من القدر، أو تحيةً صامتةً من الأرض التي لم تخنه يومًا، وبقيت وفية لجذورها. ظلّها ذكره بالطمأنينة التي بحث عنها في كل مكان وزاوية من العالم ولم يجدها قط. أغصانها الممتدة كأذرعٍ حانية، دعته لاحتضان الطمأنينة المفقودة التي حرم نفسه منها. نموها الصامت روى قصة الأرض التي تحتفظ بوفائها لأبنائها، وتذكر الغائبين بصدق جذورها التي لا تموت، وأن النسيان لا يطال كل شيء مهما طال الغياب.

سالم استقبله كأن الزمن لم يمر لحظة واحدة بينهما. بعينين هادئتين ووجه صقله التعب لا الشكوى، احتضنه بحرارة، ثم قدّم له كوب الشاي. لم يسأله لماذا لم يتصل به، ولم يفتح جروح الغياب التي طال أمدها. فقط جلسا سويًا تحت الشجرة في صمت مهيب.

شعر إياد أن هذا الصمت بينهما أعمق من أي حوار يمكن أن يجري، صمتٌ يحمل في طياته ألف كلمةٍ لم تُقل. إنه سكون يخبره بأن كل شيء على ما يرام حقًا، وأن الروابط الحقيقية التي تربطهما لا تفسدها المسافات الشاسعة ولا الأيام الطويلة العابرة، بل تزيدها رسوخًا.

في الليل، حين صعد إلى سطح البيت القديم، تذكّر كل شيء بتفاصيله الدقيقة. النجوم فوقه حقيقية، تلمع بلا كهرباء أو ضجيج المدن. الهواء نقيّ، يلسع الجلد بلطف، لكنه لا يخنق، بل يملأ الرئتين بنفَسٍ جديدٍ منعش. يشعر أنه موجود فعلًا، أن هذا السطح شهد أولى تخيلاته الجامحة، وأن هذه النجوم سمعت وعوده القديمة التي قطعها على نفسه. كل نجمة كانت قصةً محفورةً في ذاكرته، وكل نسمة هواء تذكرة بماضٍ لم يمحَ تمامًا من روحه. شعوره بكيانه تجلى في هذه اللحظة الساحرة، اتصل بماضيه البعيد وبذاته الحقيقية التي كاد أن يفقدها في صخب المدن الكبرى وضجيجها.

فتح دفتراً صغيرًا يحمله منذ سنواتٍ طويلة. قلب صفحاته ببطء، ووجد كلمات كتبها في بداية شبابه: لن أرتاح حتى أصبح معروفًا في كل مكان. شعر فجأة بغرابة تلك الجملة، كأنها ليست كلماته على الإطلاق. هل هذا ما أراده فعلًا من الحياة؟ وهل نال شيئًا غير إرهاق القلب وتآكله؟ في باريس، امتلك كل شيء مادي.. كل شيء عدا السلام الداخلي الحقيقي. بنى لنفسه اسمًا عالميًا في الهندسة يشار إليه بالبنان، ولكن روحه بقيت بلا عنوان أو وجهة محددة.

سالم، طوال تلك الأيام، لم يتحدث كثيرًا. يعمل في الأرض بإخلاص، يخرج باكرًا مع الفجر، ويعود قبل الغروب، وعلى وجهه ذلك الرضى العجيب الذي يملأ الروح. لم يشتكِ من تعب، ولا من قلة الرزق. لم يتحدث عن طموحات كبيرة، ولا عن خسائر مؤلمة. فقط يعيش. بكل ما للكلمة من معنى عميق. حياته كانت كنهر جارٍ هادئ، صافيةً وادعةً، تتبع مسارها الطبيعي دون ضجيج أو مقاومة للقدر. لم يكن هناك أي خطط معقدة في ذهنه البسيط، فقط الرضا ببركة اليوم، والامتنان لكل عطاء من الأرض الأم.

ذات صباح، استيقظ ووجد أخاه يتجه صوب البستان، فمشى خلفه حافيًا. شعر ببرودة الطين الناعم ولزوجته. لاحظ كيف أن كل حركة منه مدروسة بعناية دون أن تكون مُتعَبة. كيف يسقي الشجر دون استعجال، ويجمع الحطب كمن يلحن موسيقى عذبة. في حركاته المتناغمة مع الأرض، رأى فنًّا عميقًا، رقصًا صامتًا بين الإنسان والطبيعة بكل انسجام.

كل فعل لأخيه حمل في طياته حكمةً عميقةً، وكأنه يروي قصة قديمة عن الانسجام والرضا الحقيقي. شعر أنه أمام رجل لا يحتاج إلى إثبات شيء لأحد. لا يعيش ليراه أحد، ولا ليُعجب به. فقط، يعيش بكل معنى الكلمة.

جلس لاحقًا تحت ظل شجرة التين لوحده. أخذ نفسًا عميقًا، وشعر أن رئتيه تمتلئان بشيء غير الهواء المعتاد. شيء يشبه الطمأنينة، كأنه عودة إلى النفس التي هجرها منذ زمن بعيد. الظل البارد احتضنه، وغمره بإحساسٍ من السلام لم يعهده من قبل. هذه الشجرة، التي لم تكن موجودة حين غادر قريته، أصبحت اليوم شاهدةً على تحوّله الروحي العميق، وعلى عودة روحه إلى مرساها الحقيقي الذي بحث عنه طويلًا.

تساءل، هل كان مخطئًا في رحلته؟ هل كانت كل جولته وهمًا كبيرًا؟ لكنه طرد السؤال من ذهنه. لم يكن مخطئًا. السعي جزء أصيل منه والطموح غذاه وشكّله، لكن.. لم يكن وحده كافيًا لإيجاد السعادة الكاملة. أدرك أن البحث عن الكمال في الخارج مطاردة لسرابٍ خادع، وأن الحقيقة تكمن في الداخل، في التوازن الدقيق بين السعي والرضا، بين الطموح والسلام الداخلي.

"السعادة ليست نقطة نصل إليها في نهاية المطاف، بل هي الطريق بحد ذاته، بكل تعرجاته وأخطائه وتعبه. لم أكن تعيسًا يومًا، لكنني كنت أعتقد أن السعادة حالة ثابتة، وعليّ أن أصلها لأستقر فيها. واليوم، أفهم أنها تمرّ بي.. كلما توقفت، وتأملت، وعرفت ماذا فقدت دون أن أشعر" تلك الكلمات ترددت في ذهنه، صدى لحكمةٍ اكتشفها للتو، لدرسٍ جاء متأخرًا لكنه لم يفت أوانه. لقد أدرك أن السعادة لا تُمسك كشيء مادي، بل تُعاش في اللحظات العابرة.

حين جاء وقت الرحيل، لم يكن مضطرًا لأن يذهب. لم يكن هناك موعد مهم ينتظره، ولا عرض عمل يغريه. لكنه أراد أن يرحل، لأنه لم يعد خائفًا من العودة مجددًا. صار يعرف أنه يستطيع أن يعود، أن يطيل البقاء لاحقًا، دون أن يشعر بأنه يخون حلمه القديم أو ذاته السابقة. المغادرة هذه المرة مختلفة عن الأولى، لا تحمل مرارة القطيعة، بل حلاوة الاختيار والحرية. لقد تحرر من سجن الطموح الذي كبّله طويلًا، وأصبح سيد قراره، يذهب متى يشاء، ويعود متى أراد.

صافح سالم، وقال له إنه سيراه قريبًا. ابتسم سالم، ثم أشار إلى الشجرة بحب، وقال إنها بدأت تثمر.

في الطائرة، فتح دفتره، وكتب بصمت: "قضيت عمري أجري نحو فكرة عن السعادة، كنت أظنها عرشًا، أو ميدالية، أو صورة في مجلة لامعة. واليوم، تحت شجرة تين نبتت بهدوء، عرفت أن السعادة ليست هدفًا نصل إليه، بل لها معنى آخر. قد تكون في التوقف الذي يُشبه الصلاة.

أغلق الدفتر بهدوء، ونظر من النافذة بعينين جديدتين. القرية باتت صغيرة كحبة قمح في الأفق البعيد، لكنها، لم تعد بعيدة في روحه. لم تعد مجرد ماضٍ يُنسى، بل أصبحت جزءًا من حاضره، ومستقبله الذي يمكن أن يعود إليه.

القرية تقلصت في الأفق تدريجيًا، لكنها اتسعت في روحه وقلبه، لم تعد مجرد مكان على الخريطة المادية، بل أصبحت رمزًا للحقيقة التي اكتشفها.

 

 


مشاهدات 81
الكاتب فراس عبد الحسين
أضيف 2026/01/14 - 1:38 PM
آخر تحديث 2026/01/15 - 6:52 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 202 الشهر 10933 الكلي 13118356
الوقت الآن
الخميس 2026/1/15 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير