الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
العبور والعدم


العبور والعدم

فراس عبد الحسين

 

في غيابة هوة سحيقة، حيث تنشطر الأرض لتبتلع توالي الأزمنة في دوامة أزلية، ترامت سبع أرواح فوق حافة اللايقين. يلفهم الصمت الأصم، كوشاح من غبار النسيان يكسو بقايا الأشياء، وأقدامهم تتراقص على شفير الهاوية، وكأنما نُحتوا ليتأملوا هذا اللامعقول الكوني، سرًا محجوبًا عن كل إدراك.

أمامهم، ارتفع برج شاحب، مثل حد عمودي خرق نسيج الفناء الأزلي، بنيان من حجر أقدم من الوعي ذاته، يتيه رأسه في ضباب أثيري أبيض مكلل بزرقة باهتة، كأنما الآلهة حجبت وجهها عن هذا الصرح المتجاوز. لم يكن البرج موصدًا، ولكنه لم يرحب.

عند قاعدته، عتبة منقوشة بحروف غارقة في الغموض، تهمس: "اعتلِ إن سمحت لروحك". لم يُذكر بانيه أو أوان ظهوره، لكنهم وجدوا هناك، وكأنهم استدعوا لاختبار قدري لا مهرب منه، قدر ينسج خيوطه في الغيب السرمدي.

نادر، الأربعيني، جسده نحيلاً كأنما صيغ من أسلاك التوتر، ووجهه محفورًا بتجاعيد مبكرة نسجتها القلق والتأمل في المطلق. عيناه واسعتان بلون الرماد، تنبضان بحزن قديم يشبه ذاكرة مدينة مفقودة في طيات الأزمنة السالفة. يرتدي معطفًا طويلاً باهت اللون، يحمل في جيبه دفتراً صغيراً لا يفارقه، كأنه يحوي سجل كل الأفكار الباطنية. صوته حين تكلم بدا كمن يخلع صمتًا طويلاً عن كتفيه، صمتًا أثقلته الأيام والليالي. قال وعيناه مبللتان بحيرة قديمة: علينا الصعود، فالصمت هنا ثقيل كالموت ذاته، كثقل الكينونة في العدم الأزلي.

عاصم، رجل في أواخر الثلاثين، طويل القامة ونحيل الجسد، وجهه جامد كصخرة شاخت تحت مطر الأزمنة المتتالية، وعيناه ضيقتان تراقبان العالم كمن يفتش عن خطأ كوني لا يغتفر في مصفوفة الواقع. صوته هادئ لكن لا دفء فيه، كأنما انسلخ عن العاطفة منذ زمن بعيد في غياهب الفلسفة الباردة. يحمل في نبرته قناعة راسخة بأن الحذر هو أذكى أشكال البقاء في لعبة الحياة المعقدة. تحدث بصوته البارد الذي لا يعرف الرجفة عن أن الموت قد يكون في الأعلى، وأنهم خُلقوا للصبر، لا للسعي اللامتناهي خلف الوهج الخادع.

فريدة صبية في بدايات العشرين، شعرها القصير الأسود يتطاير بنعومة مع نسيم الحفرة الهادئ، وعيناها بلون العقيق تحملان لمعة لا تشبه إلا شروقًا وشيكًا لوعي جديد. وجهها مستدير، فيه شيء من الطفولة التي لم تغادره بعد، لكن وقفتها الواثقة كانت تقول غير ذلك، عن نضوج مبكر للروح. ترتدي معطفاً قصيراً بلون التراب، كأنها أرادت أن تشبه الأرض التي ولدت منها، كرمز للانتماء الأبدي للجوهر. في صوتها دفء يشبه لهباً صغيراً يحتمي به الآخرون من برد ما يحيط بهم، دفء يعانق أرواحهم المتجمدة. قالت بإصرار شفاف: الصبر لا يعني الجمود، والحياة لا تمنحنا المعنى، بل نحن من نصعد إليه، نسلك دروب الوعي الشاهقة.

فوق العتبة الأولى، التي هي مجرد حد فاصل بين اللاوعي واليقظة، بدأوا مسيرتهم. نادر، فريدة، ثم سلمى، التي تمثل هشاشة الروح البشرية أمام المجهول. سلمى، فتاة في منتصف العشرين، ذات وجه شاحب كأنما غسلته دموع لم تجف بعد، وعينان عسليتان يحيطهما ظل من تعب طويل يمتد إلى أعماق الروح. شعرها الداكن مشدود إلى الخلف، وكأنها تحاول دومًا أن تخفي شيئًا من ذاتها. ترتدي سترة رمادية فضفاضة، تخبئ جسدًا نحيلاً وخائفًا من مواجهة الحقيقة المطلقة. بداخلها، كانت تقاوم ارتجافه لا يراها أحد من حولها، وترفع رأسها فقط حين تحاول ألا تظهر هشاشتها المتجذرة في كيانها.

الآخرون تباطأوا في صعودهم، كأنهم استسلموا لثقل الواقع. عاصم جلس على الحافة، قال: "الفراغ لا يهوى، ولا يؤمن بقمة يتلاشى فيها الوعي. سوف أكتفي بالبداية التي هي بحد ذاتها نهاية حتمية." اثنان تبعاه، أقنعوا أنفسهم أن السكون حكمة أزلية، وأن انتظار المعجزة أكثر أمانًا من صعود المجهول الكامن خلف الضباب. وهكذا، انسلخوا عن الركب، تاركين نادراً وفريدة وسلمى يواصلون الرحلة.

أما الثلاثة الباقون، فقد مضوا في طريق الوعي الشائك. العتبات الأولى كانت سهلة، كأنها بداية حلم رقيق، لكنها ما لبثت أن ضاقت، تجمدت، أو انحنت فجأة تحت ثقل الخطوات، وكأن كل طبقة تطلب منهم جزءاً من ذواتهم المتلاشية. في إحدى الطبقات، ظهرت رمال متحركة لا يعبرها إلا من أمسك بيد الآخر، ترددت سلمى، خافت من السقوط في هاوية اللاوعي. الخوف صعد من قدميها إلى رأسها كجليد بارد، وأفكارها تتزاحم حول هلاكها، أو أنها ستكون ثقلاً على الآخرين في رحلة البحث.

قالت فريدة، وعيناها تتوهجان بإيمان مطلق: "الرمال لا تبتلع إلا من يشك في جوهر ذاته، والثقة هي العبور الأسمى" شدوا أيديهم، ونجوا من براثن الرمال. خرجوا وعليهم آثار الرمال، كأنها ندبة أبدية تذكرهم بأن كل قفزة ثقة في المجهول تترك أثراً لا يمحى في وعي الفرد.

في مستوى أعلى، واجهوا أفعى تتكلم بكل أصواتهم الباطنة، كأنها تمثل الأنا السفلى التي تعود للظهور. همست الأفعى بأن العودة أكثر أمانًا، وأن القمة ليست لهم، كأنها تذكرهم بحدودهم الفانية. بدت الكلمات مألوفة، كأنها بقايا من شكوكهم المتجذرة في اللاوعي، تأتيهم بهيئة الزواحف الكامنة في أعماق الروح.

لكن نادراً خطا بثبات لا يتزعزع، كمن تعلم أن الشك لا يقتل إلا من أطاعه في رحلة البحث عن الحقيقة. قال: "القاع لم يكن لنا يومًا، بل هو بداية الانطلاق،" ومضى قدمًا نحو المجهول.

في طبقة أخرى، دخلوها فرادى، كأن كل منهم يواجه ذاته المعزولة. واجه كل منهم مرآة تظهر ملامحه المشوهة: ضعف، قبح، أو خوف عميق من الذات. سلمى بكت أمام انعكاس روحها. رأت عيناها في المرآة، لكنها لم تجد الأمل فيهما، بل انعكاساً لليأس الوجودي. قال نادر: "ليست هذه وجوهنا، بل هواجسنا المتجذرة في وعي اللاوعي." المرايا صادقة، لكنها ناقصة، فهي لا تعكس إلا جزءاً من الحقيقة الكونية.

في الطبقة العشرين، لم يعد هنالك سلم مادي، فقط هواء ثقيل يكتنفه الصمت وفضاء شفاف يتلاشى فيه كل شيء. كان عليهم أن يصعدوا بالنية الصافية، لا بالرؤية المادية. طفو بين الإيمان المطلق والضياع.

سلمى توقفت، كأنها استسلمت لثقل العدم. صوتها كان أقرب لرجاء داخلي: أحتاج أن أرى بوضوح، لا أقدر على الخطو في العتمة. قال نادر: أنا أيضاً لا أرى، لكني أشعر بشيء يضيء داخلي، نور ينبع من ذاتي، شيء يشبه الحقيقة المطلقة، أو الأمل اللامتناهي.. مدت فريدة يدها إليه، وأخبرته أنهم سيمضون معًا، كيان واحد في رحلة البحث.

لكن في تلك الطبقة، لم تكن المرايا وحدها في الانتظار. ظهر أمامهم ممران: أحدهما يؤدي إلى الطبقة الأخيرة، قمة الوعي، والآخر يعود إلى بداية البرج، إلى حضن اللاوعي. ظهرت كتابة غامضة على الجدار بينهما: "واحد فقط يعبر، والآخر يعود." صدمت سلمى، وعيناها امتلأتا دموعًا لم تجد مخرجاً، أما فريدة فحدقت في نادر بصمت موجع، وكأنها تعرف أنه سيختار التضحية.

نادر، بصوت يشبه الريح المبللة بالحزن الكوني، قال إن صعود فريدة أهم، وإنه قد وصل بما يكفي من المعرفة. فريدة رفضت، لكن الممر الذي يؤدي إلى القمة بدأ يضيق، وكأن الزمن نفسه لا يحتمل التردد في اتخاذ القرار. وقفت سلمى، نظرت إليهما، ثم استدارت. لم تكن قادرة على احتمال أن تكون سبب فراق أو تضحية تثقل كاهل الروح. عادت إلى المرايا، ربما تنتظر أن تتصالح مع صورتها الزائفة، أو تهرب من أن تكون الخيار الأصعب في مسيرة الحياة.

نادر وفريدة استمرا في الصعود الأبدي. الطريق صار صمتاً محضاً، ثم نوراً يتلاشى فيه كل شيء، ثم لا شيء سوى اتساع داخلي لامتناهٍ. في الأعلى، لا زمن، لا صوت، فقط سكون يشبه اكتمال النفس وذوبان الوعي في العدم الأزلي. هناك، وجد أحدهم المرآة وحده. لم تكن مثل سابقاتها، بل أكثر صمتاً ونقاءً، كأنها خُلقت لتقول كل شيء دون أن تنطق كلمة واحدة. صافية حد الوحشة، تريه وجهه كما هو، بلا تجميل ولا تهويل، بل الحقيقة المطلقة التي أخفاها عن نفسه اثناء صعوده.

لكن الفراغ الذي شعر به لم يكن مجرد غياب لفرحة الانتصار المؤقت، بل هو ثقل عميق، صدى سنوات من التضحية والخذلان الأبدي الذي لا يمحى. لقد وصل، نعم، لكنه وصل إلى نقطة لا طريق بعدها، حيث لم يعد بإمكانه أن يشارك رحلته مع أحد، لأن من أحبهم قد اختاروا النزول، أو وقفوا عاجزين على حافة الهاوية.

هناك، في ذلك الصمت المطلق الذي يكتنف الكينونة، أدرك أن السعي لوحده لا يصنع معنى حقيقياً للحياة. القمة التي تلمع من البعيد قد تكون بريقاً كاذباً، يسطع ليخفي نيران الوحدة والانعزال الأبدي في قلب العدم. وبينما كان يحدق في صورته المتلاشية، بدأت ملامح وجهه تتلاشى شيئاً فشيئاً، كأنها ذوبان بطيء في نهر الزمن المتدفق الذي لا يتوقف. فهم أن كل خطوة صعدها لم تكن إلا رحلة داخلية إلى أعماق ذاته، وأن المرآة ليست مجرد انعكاس مادي، بل محاكمة صامتة لكل الخيارات التي اتخذها في حياته، لكل الأيادي التي تركها خلفه، ولكل الخيبات التي سكنته وعاثت في روحه.

ابتسم ابتسامة حزينة، ليست رضا ولا ندمًا، بل اعترافًا بحقيقة الإنسان الأزلية: أن السعي لا يعني الوصول بالضرورة، وأن التضحية قد تكون أعظم خسارة تمنى بها الروح.

في الأسفل، جلس الثلاثة على حافة الحفرة المظلمة. عيونهم ترنو إلى الأعلى، ينتظرون من ينزل ليحكي لهم قصة القمة المجهولة، لكنهم يعلمون أن الأمر ليست عن ارتفاع البرج، بل عن المسافة التي تفصل بين النفوس في رحلة البحث عن المعنى.

 


مشاهدات 25
الكاتب فراس عبد الحسين
أضيف 2026/01/12 - 2:54 PM
آخر تحديث 2026/01/13 - 3:02 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 104 الشهر 9152 الكلي 13116575
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/1/13 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير