الوجلُ فضاءٌ للخلقِ الشعري.. على ضفاف الوجل
إبراهيم رسول
في قراءةِ تجربة شاعرٍ ما, يستدعي أنْ نقفَ على مراحل تطوّرِ ونُضجِ هذه التجربة, فتارةً تبرزُ التجربة ناضجة عبرَ كتابٍ شعريٍ مطبوعٍ, يُقدم للقرّاءِ, فيتناولونه على اختلافِ مستوياتهم في فهمِ وتلقي الشعر, وتارةً يبدأُ الشاعر بتقديمِ قصائدٍ له من دونِ أنْ يجمعها في كتاب, وهنا ينقسم القرّاء أو النُقاد على نحوٍ أخصّ في قراءة التجربة الكاملة, ليتبيّنَ لهم مراحل التطوّر الشِّعري عندَ هذه التجربة أو تلك, وأحسبُ أنَّ الشاعرَ الذي سنتناولُ مجموعته التي عنونها (على ضفاف الوجل), فهو شاعرٌ استوعبَ الشِّعرَ وعرفهُ, وقرأَهُ وأجادَ قراءتَهُ, فالشِّعرُ عَصِيٌّ على الذينَ يستسهلونه, وهو يحتاجُ إلى حالةٍ فردانيّةٍ, وهذه الفردانية هي الفضاءُ الخاصّ للشاعرِ, وما لمْ يكن للشاعرِ عالمٌ خاصٌ به, سيبقى يُعيد تجارب آخرين أو يُحاول أنْ يُقلّدهم أو يستنسخهم ولكنَّه سيفشل لا محالة في أنْ يكونَ شاعرًا, لذا حينَ نقرأُ تجربة الشاعر حازم الشمري, نقرأُ سيرةً شعريةً, فيها من الوعي بالشِّعرِ ما يجعلها تجربة تستحقّ أنْ يقفَ النقاد والقرّاءَ أمامها ويتناولونها بشيءٍ كثيرٍ أو قليلٍ من العنايةِ النقديّةِ التي تمنحُ للتجربةِ الناضجة.
قراءة لتجربة
هذه المقدمةُ هي تعريفٌ للقارئ, عن السببِ في تناولِ هذه النصوص والكتابة فيها, فالاختيارُ ليسَ عبثًا, ولهذا نعترفُ أنَّ القراءةَ لهذه التجربة, كانتْ لضرورةٍ إبداعيّةٍ, قرأنا بها تجربته وتأمَّلنا في مراحل نضجها وبلوغها إلى ما وصلت إليه من فنٍّ عال.
العنوانُ عتبةٌ تشويقيةٌ, يقفُ الشعراء المعاصرين أمامها بشيءٍ من الرهبة, لأنَّ للعنوانِ وظائف جماليّة لا تنفصل عن القصيدةِ, لهذا صارتِ القصائد تُبنى بصورةٍ هي أقربُ إلى النظامِ المُتخصص الذي يحفظُ وحدة موضوعها الرئيس, فصارت عتبة العنوان, هي عتبةٌ مهمة للغاية, لأنَّها تُعبِّرُ عن المضمونِ العام والخاصِّ, والعنوان ينبغي أنْ يحضرَ في كُلِّ قصيدة, لأنَّ له وظيفة يؤديّها داخل كلّ قصيدة, لذا نقفُ أمام العنوان بشيءٍ من التأمِّل, ونحاولُ أنْ نُفككه لنقرأَ دلالتهُ التأويليّة, فالعنوانُ في الشعر غير العنوان في غيره, فهنا تبلغ أهميّتهُ غايتها القِصوى.
يتكوّنُ العنوانُ من مفرداتٍ ثلاث, مؤلفة تأليفًا جميلًا, بتناسقٍ إيقاعيٍ, ولأنَّ تركيبَ العنوان مؤلفٌ بهذا التأليف, سنقرأهُ كاملًا بعدَ تفكيكه, وحين ننتهي من التفكيك نقفُ لنقرأهُ كاملًا غير مجزّأ, لأننا لا نُريد أنْ نقفَ عند دلالته اللغوية, بلْ نتجاوزها لدلالته الفلسفية, وهذا ما يجعلنا نقرأ هذه التجربة, ونُعجب بها الإعجاب الذي تكون نتيجته هذه القراءة, فالوجلُ يعني أنَّ ثَمَّةَ قلقٌ وحيرة ولكنَّ الشاعرَ هنا لا يتراجع ولا يركن, بلْ تراه يقف على الضفاف, وهنا تكمن حالة القلق والتردد والمحاولة, وأحسبُ أنَّ العنوان, يُشيرُ إلى حالةِ الشاعر النفسية, حيثُ أصبح الوجل, هو المصدرُ لإلهام الشاعر في أنْ يبوحَ ويُعبّر عن خلجات النفس, عبر خلقه وابتكاره, إذ توحي حالة الشاعر بأنَّه يقفُ على الحدود من دون أنْ يلجَ أو يقتحم الأسوار, قد يُشير إلى قلقه من الحاضر الذي انعكس على رويته إلى المستقبل الذي يحذره, بسببِ غياب التخطيط والرؤية نحو الحلّ, فهو يقفُ على الضفاف كنوعٍ من المحاولة في أنْ يتعايشَ ليفهم الأوضاع ويخلص إلى حلولٍ تُقنعه, إنَّ انفتاح العنوان وسعته, يجعلُ الحالة عامة, فهو يُعرّفُ الحالة بألف ولام التعريف, لكنه يترك المكان نكرةً, ليؤكد عموميته, فهو قلقٌ من أشياءَ كثيرة غير محدد وغير معلومة, لهذا فالعنوانُ يترك الفضاء مفتوحًا للتأويلات التي يعنيها.
خلقت حالة الوجل التي يقفها على الضفاف فضاء شعريًا كانت حصيلته هذه المجموعة من القصائد الشعرية, فلوْ تأخذ كلّ قصيدة وتمعن النظر فيها, ستجد أنَّ العنوان يحضرُ فيها سواء عبر المجاز أو المباشرة, وهنا يكونُ العنوان قد حقق وظيفته الإبداعية والجمالية التي تتفق مع كلّ نصٍّ, يتضمنه الكتاب الشعري الكامل, وأنا أميل إلى تسميةِ هذه القصائد المجتمعة, بأنَّها كتابٌ شعريٌ وليس مجموعةً شعريةً.
الخلقُ والابتكارُ الفنيّ, ميزةُ الشِّعر التي تُبقيه في ذاكرة الإنسان, لأنَّ هذه الذاكرة لا تُبقي إلَّا الإبداع والجمال, وهي ستهمل غير ذلك, ليطويه الزمن كأنَّه لمْ يكُ شيئًا موجودا, فحين يعمد الشاعر إلى الخلق, الذي يكون تارة عبر إعادة التشكيل والتركيب والتأليف, إذ يُراد من المبدع أنْ يدهشنا ويمتعنا ويُقدم لنا رؤاه الإبداعية بقالبٍ من الجمالِ, وهو في هذه العملية يمارس تأمّل في الحياة والكون والإنسان, وهو فوق هذا يُراد له أنْ يتصوّر ويتخيّل والأصعب من هذا, يُراد منه أنْ ينقلَ هذا التصوّر والتخيّل إلينا بالصورةِ التي تدهشنا وتجعلنا نعيش الدّهشة, وهذه العملية تمرّ بصعوبات شتّى, لهذا يبدو الشاعر في حالةٍ إرهاق وجهد, لهذا تراه حين ينتهي من قصيدته, يشعرُ بالارتياح النفسي كأنَّه تخلّص مما يؤرقه ويؤلمه, لأنَّه يحملُ الكلمة, وما أصعب حمل الكلمة!
حين ننتهي من قراءة كتاب ( على ضفاف الوجل), تتبادرُ إلى المخيّلة أسئلة شتّى, تجتمعُ أو يكون محورها العام, هو التساؤل الآتي: كيف يكونُ الوجل مصدرًا ملهمًا عند الشاعر؟ وأحسبُ أنَّ الشاعرَ أجاد حين خلص إلى عنوان عامٍ رئيس يتفقُ مع مضمون القصائد التي تضمنها كتابه الشعريّ, وهذا شرطٌ إبداعي, لأنَّ العنوانَ ثريا الكتاب كلّه, وينبغي أنْ يتجلّى حضوره وفاعليته في كل قصيدةٍ, لهذا يبدو التساؤل في غاية الأهمية من حيثً أنَّ فاعليته هيمنت وتجلّت في النصوص التي هي أربعون نصًّا, والجوابُ عن هذا التساؤل, هو جوابٌ من الكتاب ذاته, وليس تأويلاً يخلص إليه القارئ, وهنا تكمن نقطة الإبداع عند المبدع.
إذ بمجرّد التعبّير عن حالة الوجل شعريًّا, يعد إلهامًا, فالبوحُ ليس سهلاً على الإطلاق, وهو عملية جد صعبة, بلْ مستحيلة عند الكثير من الناس, لأنَّ الكلام مباحٌ متاحٌ ولكن ليس للجميع, والتعبّير عنه أعقد من إباحته, فالشعرُ يتربعُ على مملكة الكلام, لأنَّ الكلام الأرقى, إذ يعبّر عن روح الإنسان وكينونته الخاصّة وفي التعبّير يحتاجُ إلى إلهام وهذا لا يأتي لكلِّ إنسان, في هذه القصائد التي توزعت إلى أربعين قصيدة, كانَ القلق أو الخوف دافعًا للتعبّير وهذا الدافعُ آيته الإلهام, إذ فتحَ للشاعرِ آفاق التأمّل, سواء في ذاته أو فيما حوله أو في الآخر الذي يبّثه هذه التأمّلات التي تجيء لحنًا إبداعيًّا, فهو في هذه المحاولة , يحاولُ أنْ يفهمَ ويستوعبَ ويعيد تشكيل مفهومه للحياة والإنسان والكون والقضايا بعامة, هو يريد لهُ أنْ يؤلف من جديد, ويطلق رؤى مغايرة, لأنَّه خالقٌ, ولا يكون الشاعر شاعراً ما لمْ يكن خالقًا مبتكرًا, فهو قد ألهمَ الشاعرُ هذا الفن, وآية من آيات الوجل بوصفه فضاء للخلق الشعري, هو بقدرته على تحويل الوجل إلى فن, وهذا التحويل عبر القصائد التي تعبّر عن تجربته ورؤيته هو الابتكار والاستعمال الإبداعيّ الذي أتقنه الشاعر فجعله في قائمة الشعراء المبدعينَ, فقدْ قالَ:
شغوفًا بطي الحزنِ أشتاق وصلهم
وأطيافهم بالوجدِ تجتاح حاليا
في هذا البيت تعبّيرٌ صادقٌ عن حالة الحزن العميق, والوجل تجلّى في مفردات ( الشغف, الحزن, الاشتياق, الطيف, الوجد, الاجتياح), ستُّ كلماتٍ تجتمعُ في تأليف رائعٍ, لتخلق هذا النصّ البديع, الذي يعبر فيه الشاعر عن حالته النفسية وتجربته الذاتية, فالشاعرُ متعلقٌ بالحزنِ, وتجيء مفردة الشغف لتسبغ على النصّ شعرية عالية فتمنحه الجمال الذي يليق بعملية الخلق, وهو يحاولُ وفي المحاولة يتجلّى الوجل, فالعنوانُ الرئيس يحضر في هذا البيت بأوضح حضورٍ, فهو مستمرٌّ بالتغلبِ ليطوي الحزن والوجع, أي أنَّه على الضفاف, فالأمرُ لمْ يحسمْ بعد, ويريد أنْ يحتوي الحزن ويطويه ليتجاوزها, لكنَّه في هذه العملية يُصارعُ القلق والحزن من دونِ أنْ يتغلّبَ عليهما, هذه المحاولة هي على الأطراف أي على الضفاف, ومفردة أطيافهم بالوجد, تعبر عن قلق مؤلمٍ, وخيالٍ خلاقٍ, يغزو الشاعر ويزيد من شوقه وحزنه في الوقت ذاته, فهو يكابدُ الألم والوجع والقلق وهو واقفٌ بالقربِ منه.
الوجلُ خلقَ هذا الفضاء الشعريّ, وحوّله إلى فنٍ قوليٍ, فحينَ نتناول هذا البيت من قصيدة رذائليون, حيثُ يقول:
«وفوضويونَ
للحدِّ الذي وهبت
خيباتهم للمنايا خيرَ أبناءِ»
في هذا البيت يُعبّرُ الشاعرُ عن جمعٍ من الآخرين, والتعبّير بليغ بمعناه, وهو جلدٌ لذاتهم, فهو يستعمل ( خيباتهم) إشارة إلى عبثيتهم وسوء ما وصلوا إليه, فهم يقدمون خيرة الأبناء قرابينًا إلى الموت! نتيجة خيبتهم, فهو يؤنبهم أشد التأنيب, ويعبّر لهم عن مشاعره الذاتية ليحرك مشاعرهم, إنَّ سوءَ عشوائيتهم وفوضويتهم أدى بهم إلى أنَّهم منحوا أفضل ما عندهم ( خيرَ أبناء) إلى المنايا, هو يحاكيهم ويحاولُ أنْ يستنطقَ مشاعرهم, هنا تجلّى الوجل بصورة الوجع, هذا هو الفن, الذي كان قوليًا بالتعبيرِ عن الوجدانِ الشعري, فنحنُ نقفُ عند هذه النصوص لنتأمّل لا لنقرأ ونمضي, هو هنا يدهشنا بتصويره حجم الخيبة والفشل وسوء الفعل والاختيار الذي قادهم أنْ يهبوا أولادهم إلى الموت.
وتنتمي هذه النصوص الأربعون إلى الشعر الوجداني العاطفي الذاتي, روح الشاعر حاضرة في كُلِّ نصٍّ, وهو يحاولُ أنْ يجعلَ من الوجل والقلق فضاء لخلق آيات من الجمال الفنيّ, فهو يمارسُ التأمّل في الإنسان ومشاكله وما يؤلمه, فجاء هذه النصوص لتعبّر عن الحافة, حافة القلق, الألم, الحزن, الضياع, وغيرها من الأوجاع, لهذا حينَ تنتهي من قراءة هذه القصائد, ستنتهي وأنت محملٌ بطاقة وجدانيّة هائلة وفي داخل النفس تكمن قدرة هائلة في التعبير عن التجربة التي تلقيتها بعد القراءة, لهذا لا تقف النصوص في هذا الكتاب عند قراءة أولى, بلْ أنت محتاج إلى قراءة أخرى, تستنطق معها روحيّة النصوص التي هي انعكاسٌ من روحيّة الشاعر, انعكاسُ تجربته الوجدانيّة والعاطفية, فهو خالقٌ ماهرٌ أجادَ أنْ يقدمَ مشاعره في هذه النصوص, ليقول للآخر: أنَّه وإيّاه يشتركانِ الوجع والقلق والخوف.
لا يكون الشعرَ شعرًا حتَّى يدهشنا, ويأخذنا في جولةٍ تأمّليّةٍ في عوالم تجربة الشاعر, وهذه السياحة, نتعرّف من خلالها على عقلِ وروحِ وخيالِ هذا الشاعر, إذ نقرأهُ في جوانبَ متعددة, نجدهُ في تارةٍ يتناغمُ مع الحياة وأخرى مع الطبيعة وغيرها مع الآخر, وفي كُلِّ هذا التناغم, نحنُ نقرأ ملامحه ورؤاه التي هي بصمةٌ تعنيه لوحده, لأنَّ التفرّدَ ميزة الشاعر, ولا يكون الشاعر شاعرًا حتَّى يخلق لنفسه فضاء شعريّ, يمارسُ غواية الشعر من خلاله, ويقدم لُّغته عبر شلالٍ من المعاني التي نتلقّاها فتهزّنا وتجعلنا ننبهرُ ونجذب لقوّةٍ خفيّة, تأخذ الذات إلى عوالمَ خيالية, نعيشُ من خلالها نشوة التأمّل في الإنسان الذي أحسّ بنا وعبّر عنّا, لهذا فحين تنتهي من قراءة على ضفاف الوجل, ستجد نفسك تعيش حالة من الاستفزاز الشعوري, بسبب موجة الكلمات التي تهز الوجدان, فتأخذهُ ذات اليمين وذات اليسار, وأنت تتأرجحُ بينهما ولا مناص من هذا التأرجح الذي أحدثته الكلمات, لأنَّها حاكت فيك الجوانب النفسية, والنفسُ تميلُ إلى ما يهزّها ويأثر فيها, فهذا الوجل, هو فضاءٌ خلاقٌ, نقله لنا المبدع بوجدانهِ, ليجعل من اللغةِ سبيله لبلوغ المعنى.