الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
هل يكره علي الوردي ارسطو؟


هل يكره علي الوردي ارسطو؟

نوزاد حسن

 

   هل يستطيع احد التفكير بأن علي الوردي هذا المثقف التنويري المؤمن بالعدالة الاجتماعية وحرية الاخر واحترام الحياة المدنية يمكن ان يكره ارسطو بحيث انه هاجمه في اكثر من مناسبة في كتبه؟

    لا اظن ذلك لكني وضعت هذا العنوان محاولة مني لادراك معنى تغير الزمن,وكيف ان بعض الافكار قد تكون حجر عثرة في حياتنا.وهذا ما ساتحدث عنه في هذا المقال,وابين كيف ان علي الوردي لم يكن يكره ارسطو شخصيا لكنه كره الاسلوب التقليدي الذي طبق منطق ارسطو  الذي تجاوزه الزمن لا سيما بعد تقدم العلم,وكذلك تغير طريقة التفكير نحو منهج جديد يحتلف جذريا عن منطق ارسطو الذي صار بلا مبالغة - منطقا ميتا.

      لقد كتب علي الوردي في اكثر من كتاب نقدا لمنطق ارسطو واصفا اياه بالمنطق القديم.واشار الى ان هذا المنطق"كان في بداية امره خطوة تقدمية كبرى في تاريخ الفكر البشري.اذ كان اول محاولة لتنظيم الفكر ووضع قواعد له.والواقع ان ارسطوطاليس الذي يعزى اليه فضل وضع المنطق كان من اصحاب العقول الجبارة التي يندر ظهورها في التاريخ.(منطق ابن خلدون,علي الوردي,الطبعة الثانية 1994,دار كوفان,لندن,ص27).

     ثم يشير الوردي الى قدر اي نظام فكري حيث يبدا نشيطا ولكنه ينحدر فيما بعد الى الجمود والفساد مبينا ان المفكرين في القرون الوسطى نظروا الى منطق ارسطو نظرة اعجاب او تقديس.

     وقد شرح الدكتور علي الوردي الصفتين اللتين اتسم بهما منطق ارسطو وهما:انه منطق صوري واستنباطي.ويعني بالصوري انه"يهتم بصورة الشيء ويهمل مادته,واوضح تطبيق لهذا المنطق جاء في الهندسة حيث يهتم المهندسون بالشكل الذي تظهر فيه الاشياء كالهرم,والمخروط,والاسطوانة,ولا يبالون بالمادة التي تتكون منها هذه الاشكال.منطق ابن خلدون,ص28.

   ونتيجة لتاثير المنطق الصوري فقد بدأ المفكرون "يستصغرون الوقائع الجزئية المحسوسة ويعدونها من الامور التي لا تؤدي الى علم يقينيصحيح.فالعلم الصحيح هو في رايهم هو الذي ينتج عن النظر في الامور الكلية العامة,اذ هي امور ثابتة لا تتغير.وهي اذن حقيقية بعكس الوقائع المحسوسة المتغيرة.منطق ابن خلدون,ص28 -29.

    اما ما يتعلق بالجانب الاستنباطي فقد عنى به الدكتور الوردي "الاعتماد على كليات عقلية عامة,ثم يستنبط منها النتائج الجزئية الخاصة,وهو بذلك يختلف عن منهج العلوم الحديثة".(منطق ابن خلدون,ص31)

   اذن هذا ببساطة ما يعرف بالمنهج الاستنباطي الذي يبدأ من مقدمة كبرى ثم مقدمة ثانية صغرى بعدها نستخرج النتيجة من المقدمتين.ولا بد ان نلاحظ ان المقدمات او المباديء التي يمكن استخدامها في هذا المنهج الاستنباطي مختلفة ومتنوعة وتتبع اهواء الناس في كل زمان ومكان.وقد ذكر الوردي نماذج من هذه المقدمات عند المسلمين الاوائل وكيف كانوا يتصارعون في ان يثبت كل فريق افكاره من خلال منهج ارسطو الاستنباطي.ومن طريف ما ذكره الوردي هو ان جده كان احد الذين استخدموا هذا المنطق حين نظر الى مطرقة بالقرب منه وقال "هذه مصنوعة من الخشب والحديد فهل من الممكن ان تطير"ويعلق الوردي على ان جده جعل من المطرقة مقدمة لقياسه المنطقي ثم راى الناس الطائرات تطير في سماء بغداد بعد اعوام وعندها نظر الجد حائرا"(منطق ابن خلدون,ص39)

     في الحقيقة قصدت من اقتباساتي المتكررة من كتاب علي الوردي ان ابين الى اي درجة كان عالم اجتماعنا الكبير يخشى من سيطرة هذا النوع من المنطق لانه منطق غير واقعي,ولا فائدة ترجى منه.وقد قامت الفلسفة الحديثة بتجاوز طريقة التفكير الارسطية مع اننا ما نزال نفكر باسلوب المنطق القديم لاثبات اننا على حق.ومن المعروف ان العقل يجذب اليه او ينجذب الى الحقائق التي يؤمن بها,ويطرد في المقابل الافكار التي لا توجد فيه ولا يؤمن بها.فعند هذا سيكون اثبات اية حقيقة بالمنهج الاستنباطي شيئا مبهجا للعقل ومصدرا من مصادر سعادته.

  كل المقدمات الدينية كما قلت تفرح وتنعش العقل.لكني اريد ان اعود الى مناقشة اثبات موت سقراط الذي استخدمه ارسطو في قياسه المشهور.ولو تاملنا ذلك القياس وجدنا ان ما قاله الوردي دقيقا من حيث ان الموت المقصود هو موت صوري شكلي يعني انتهاء عمر الانسان في وقت محدد.اما عن كونه لا يهتم بالحقائق الجزئية لانه يبدأ من مقدمة كبرى هي كل انسان فان فهذا يعني الاكتفاء بموت سقراط كدليل لا يقبل النقاش على ان الموت حقيقة لا يمكن نكرانها.واذا اردنا ان نفهم ما فعله منطق ارسطو وهو يثبت ان الموت هو قضية عامة لا تقبل النقاش فسنرى ان النتيجة لا تختلف عن النتيجة التي كان يسعى اليها المفكرون المسلمون حين استخدموا منهج او قياس ارسطو لاثبات الحقائق التي تريح وتبهج العقل.في اثبات موت سقراط يقدم ارسطو للانسان او للعقل سعادة دائمة لان الموت هو شيء مفروغ منه.انه حقيقة واقعة والدليل عليها ان سقراط سيموت.لاحظوا كيف ان موت الاخر صار دليلا على موت لا ينجو منه احد.الاخر الذي سيموت ولست انا,هذا الاسلوب التعليمي الشبيه بمواعظ فارغة تطلب منا ان نغير طاقة القدر من اجل ان نعيش باسلوب يتجاهل حقيقة الصنعة الالهية.ان الاعتقاد بان سقراط هذه الحالة المفردة سيواجه الفناء هو هدف المنطق الذي يريد ان يجعل من قسوة الفناء حالة عابرة لا بد ان نقر بها,ونحاول ان نتجاوزها لان الحياة لا بد ان تستمر.وربما نقوم بهجوم مضاد جديد على تصميم الله للحياة فنستخدم منطق الدليل او الحجة لابطال مفعول فكرة الموت في الحياة.وفي حقيقة الامر لدينا لغة متانقة ومؤثرة تقنعنا دائما ان الحياة لا بد ان تستمر حتى بوجود الموت.وهذا الدليل العملي لا باس به لكنه طريقة تعلمنا ان نفصل انفسنا عن كل شيء.وتدربنا على تناسي اهم نقطة ايجابية في حياة اي انسان واعني بها ادراكه الداخلي انه سيموت شخصيا وليس سقراط.

   اذن لقد صار الموت حقيقة عامة لان الجميع سيموتون.لكن ما حصل ان هذه الحقيقة تحولت الى نهاية ستاتي في وقت لا نعلمه.الموت بالمعنى العقلي وصول الى نقطة محددة ولا بد من التسليم به.وعلينا ان نعيش الى وقت لقائنا به.اذن نحن نسير الى الموت لكننا لا نتصرف على هذا الاساس.اننا في حقيقة الامر نعيش دون ان نعي ما هو اصل مشكلتنا.نسلم اننا وجدنا في الحياة وعلينا ان نعيشها باقل تكلفة ممكنة.والعقل يساعدنا كما اعتقد انا على تقليل الكلفة المدفوعة للحياة.فبسهولة يشطب على تصميم الحياة والكون ويفرغهما من عنصر الصدمة الحقيقية التي تغيرنا نحو افق افضل.لقد نجح العقل في تحنيط الموت وافراغه من مضمونه ومحتواه.وبمرور الوقت صار الانسان هذا الكائن الضعيف قانعا بصفقته مع استنتاج ارسطو البارد الذي جعل من اهم قضية وهي موته حدثا عابرا يصيبنا بصدمة في الثواني الاولى ثم ننسى لنعيش من جديد في حديقة القناعة العقلية.

   في ملحمة كلكامش يحدث شيء مما اقوله واتحدث عنه كأن الذات الانسانية تكرر نفسها في كل لحظة.فحين جزع كلكامش على موت زميله انكيدو قرر ان يبحث عن خلوده.وقد راته صاحبة احدى الحانات فظنت انه قاتل.وحين اخبرها انه كلكامش اجابته:

فلم ذبلت وجنتاك ولاح الغم على وجهك

وعلام ملك الحزن قلبك وتبدلت هيئتك

ولم صار وجهك اشعث كوجه من سافر سفرا طويلا..؟

فاجابها انه فزع من موت صديقه انكيدو وقرر ان يبحث عن دواء يبعده من لقاء الموت.لكن صاحبة الحانة ارادت ان تعطي كلكامش خبرتها العملية في المشكلة التي يعاني منها فقالت له:

الى اين تسعى ياكلكامش..؟

ان الحياة التي تبغي لا تجد

حينما خلقت الالهة البشر قدرت الموت على البشرية

واستاثرت هي بالحياة

اما انت ياكلكامش فليكن كرشك مملوءا على الدوام

وكن فرحا مبتهجا نهار مساء

واقم الافراح في كل يوم من ايامك

وارقص والعب مساء نهار

واجعل ثيابك نظيفة زاهية

واغسل راسك واستحم بالماء

ودلل الصغير الذي يمسك بيدك

وافرح الزوجة التي بين احضانك

وهذا هو نصيب البشرية"

(ملحمة كلكامش,طه باقر,وزارة الاعلام,مديرية الثقافة العامة,الطبعة الثانية,1391-1971,ص115-116)

  بلا شك تشبه هذه النصيحة المنطق القديم الذي استخدمه ارسطو في اثبات موت سقراط.حجج باهرة ومقنعة للغاية.ان هذه النصيحة تتطابق تماما مع مزاج امراة تدير حانة.ولعل الكثيرين سمعوا جمل صاحبة الحانة تقال لكن بلغة عصرية تتناسب مع حرصنا على الحفاظ على العلاقة السطحية بالحياة.نحن ايضا نقول حين نعزي شخصا ان البقاء لله كأننا نود ان نفحم الحزن ونطرده كروح خبيثة.صاحبة الحانة خدعت كلكامش ايضا حين قالت له ان الالهة استاثرت هي بالحياة.هذه المقارنة حيلة عقلية نلجا اليها لتحصين ضعفنا الانساني,وكسر انف الموت.والحقيقة ليست كذلك.لان كل هذه الحجج لا يمكن ان تقلل من حقيقة الوضع الانساني الذي يعرف كيف يقوم بمناورة فكرية وعقلية لعزل الذات عن محيطها الالهي الذي جعل الفناء لغة عامة لا خلاص منها.لذا يمكن القول ان الانسان اما ان يصدق منطق ارسطو وصاحبة الحانة وهذا هو الحل الذي يفضله الكثيرون,او ان يقف في منطقة ابعد من هذه اللعبة,فيتعامل مع الحياة بفردية تامة تقوم على امتلاك سر معرفي خاص يحول الذاكرة الى نقطة ضعف بدلا من كونها ذكريات شخصية.ومن المهم الاشارة الى ان ذاكرة اي انسان تعني امتداده السابق الذي يتوكأ عليه كما يفعل اي عجوز مع عصاه.هذا حق لكن المعرفة السرية الخاصة تقلب ذكريات الماضي الى علامة ضعف توجد في داخل جماجمنا.عادة ما نحاول ان نكون منطقيين فنجمع صورا كثيرة للحظات نعيشها ونوثق منها ما نوثق بجنون لا يوصف.ولم نفكر في لحظة واحدة ما علاقة هذه الذكريات الشخصية بماضي الاخرين والتاريخ البشري بعمومه.ذكرياتنا تكون مفصولة عن كل ما يجاورها لانها ملكنا الشخصي البحت,ولا يوجد لدينا قدرة على دمجها في ماضي الكون بكل تعقيده.ان الذاكرة بهذا المعنى ذاكرتان.الذاكرة الاولى عملية تخزن صورا ومواقف معزولة عن نسيج ماضي العالم في كل مكان وزمان.انها ذاكرة خزنية تشبه الصناديق الثقيلة التي تمتليء بصور واوراق وملفات كثيرة يعلوها التراب.هذه الذاكرة لا تعرف معنى الضعف بل تفهم معنى الوجود المستمر الذي يترك خلفه مزيدا من الذكريات.باختصار هذه الذاكرة بطلة.وفي مقابلها توجد ذاكرة اخرى غير منعزلة عن فكرة بناء الكون لانها ذاكرة تعكس الضعف الانساني في ادق ملامحه.ان الذاكرة تشبه السدود الكبيرة التي تخزن مياه الامطار في جوفها ثم تقوم بتوليد الطاقة الكهربائية.ولو قلنا ان السد هو الذاكرة وان الماء هو الذكريات فكيف يمكن ان نصدق ان مياه السد تستغني عن البحر او المطر.هذا لا يجوز ولا يمكن ان يقع.لا بد ان يمد المطر ماء السد بجزء كبير منه.وهذا يعني ان الماضي الذي يشبه الامطار يمد ذاكرتنا بشعور داخلي عميق لا تنضب  طاقته ابدا.ان الماضي يمد الذاكرة بضعف يشبه ماء المطر في بطن السدود الضخمة.الضعف العام الذي يكون جوهر الماضي ونقطة ضعف البشرية يخلق في ذاكرتنا مراكز له تربط كل ذكرياتنا بكل ما سبقها.وقد يفسر هذا انجذابنا الى الاماكن والمواقع الاثرية,ووقوفنا ماخوذين امامها.ففي هذه الاثار يمكن ان يسافر الفرد الى اعماق الماضي ويحاول تخيل كل ما جرى في هذه الاثار من وقائع.اذا فعل الانسان هذا الشيء واندمج في حياة ماضية آفلة فان هذا يدل على ان الذاكرة الخصبة مفتوحة على الماضي,وتستمد منه ماء الضعف المستمر في التدفق.اما اذا كانت وقفتنا امام اي معلم اثري وقفة لتفحص نوعية حجر البناء,ونركز على صمود هذا الاثر او ذاك للزمن ,اضافة الى معرفة تاريخ المكان من دليل يشرح لنا كل شيء,فان هذا التوقف لن يكون لحظة خالقة للذات.الذاكرة العملية المنفصلة عن جوهر الماضي لن تستفيد شيئا لو انها زارت كل اثار الاقدمين في كل بقاع الدنيا,لانها ستتعامل مع المكان بحدوده المرئية دون اعماقه البعيدة.

    


مشاهدات 183
الكاتب نوزاد حسن
أضيف 2026/01/05 - 4:21 PM
آخر تحديث 2026/01/08 - 7:30 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 646 الشهر 5787 الكلي 13113210
الوقت الآن
الخميس 2026/1/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير