أذن وعين
عن الحق في اختيار الموت
عبد اللطيف السعدون
عندما خاطب محمد الماغوط بدر شاكر السياب: «تشبث بموتك أيها المغفل، دافع عنه بالحجارة والأسنان والمخالب، فما الذي تريد بعد أن تراه؟» كنا يومها نلتصق بالحياة، نحس بعنفوانها في أعماقنا، تسكننا آمال التغيير، ونتجرأ على مواجهة خطايا العالم كأننا موكلون بذلك، كنا ثوارا بالعقل والقلب والضمير، نقيس سوانا باقترابه أو بعده عنا، ولذلك وجدنا في مقولة الماغوط مسحة تشاؤم واكتئاب، ولم نغفر له نبوءته المثقلة بالهم حتى سقطنا نحن معه في ذات الهوة التي صنعها القدر لجيلنا الذي سماه مطاع صفدي «جيل القدر» في كناية عن قدرته على صنع التغيير، وان بدت تلك التسمية لنا اليوم وكأنها ضرب من السخرية اللاذعة. ونعرف أن بدرا كان يتشبث بالحياة حتى وهو يعاني من مرضه العضال الذي يجعله يموت في اليوم الواحد مرات، لكنه لم يفكر في الانتحار أو نشدان الموت كي يتخلص من آلامه: «لك الحمد مهما استطال البلاء، ومهما استبد الألم+ لك الحمد ان الرزايا عطاء، وأن المصيبات بعض الكرم»، كان مثله الذي يتقمصه أيوب الذي مسه الضر، ونجاه الله لصبره، «اختارت نفسي الموت على عظامي هذه، فقد ذبت، لا الى الأبد أحيا».
في حينها كنا ننظر الى «الحق في الحياة الحرة الكريمة» على أنه حق غير مشروط ولا مقيد، فيما ننظر الى «الحق في اختيار الموت» على أنه هروب من مسؤولية صنع التغيير، وحماية الحقوق، وضمان الحرية، ولم يكن حب الموت الذي يجيء ذكره في مأثوراتنا الشعبية سوى تعبير عن إيماننا بأن التضحية بالنفس لا يمكن أن تكون إلا دفاعا عن الأرض والإنسان، ونبحث عبر الموت عن ضمان حياة كريمة لأجيال تأتي بعدنا، وحتى عندما أقدم بوعزيزي في تونس على الانتحار لأنه فقد الأمل في أن يعيش حرا كريما وجد بعضنا في اختياره الموت خروجا على ما ألفناه، وآمنا به، لكننا عشنا حتى وجدنا من نسائنا من يطالبننا بكفالة حق اختيار الموت لهن ليقدمن على الانتحار لتوقي اغتصابهن من قبل وحوش صبغوا وجوههم الكالحة بدم ضحاياهم، وقبل ذلك سمعنا صرخة امرأة تلقي بنفسها وهي تحمل وليدها الغض في «الفرات» بعدما امتنع ميليشياويون عن السماح لها بدخول عاصمة بلادها!
نذكر أيضا «ممرضة حلب» التي قيل إنها اختارت، في زمن نظام الأسد، الانتحار عن سابق إصرار كي تتفادى الاغتصاب بعد أن أبلغت أنها ستنقل الى سجن «صيدنايا» المعروف باسم «المسلخ البشري» ، وظهرت رسالتها، في حينه، على مواقع التواصل، واستفزت عديد كتاب ومعلقين بين ساخط شاجب، وبين مفند ومكذب، وبين الاثنين برز من يبرر اغتصاب فتاة أو فتيات على أنه لو حدث فهو خطيئة فردية لا تنسحب على الجهة التي ينتسب إليها الفاعل.
أنظمة دكتاتورية
لا نجد ما نقوله أكثر من ذلك، لكن فظاعة ما يجري من حولنا، في ظل الأنظمة الدكتاتورية التي تحكم دولا كثيرة في عالم اليوم، يبقي سؤال الحق في اختيار الموت عندنا مفتوحا، والسجال لم ينته بعد، وإذا كانت المراجع الطبية قد وضعت شروطا للموت الرحيم، وإذا كان بعض فلاسفة ومفكرين في أزمان سابقة قد طرحوا فكرة الإباحة، ومنهم أفلاطون الذي قال «أن هناك أناسا يجب أن يتركوا للموت»، وبيكون الذي نظر لما أسماه «الموت الهادئ» فان حروبنا الماثلة وشناعاتها تعيد طرح السؤال الكبير نفسه: هل يمكن ان نقر الحق في اختيار الموت في ظل ما نقاسيه من مظالم وشرور مع ان كل الرسالات تعلمنا أن «الحق في اختيار الموت هو حق إلهي محض، لأن الله سبحانه هو واهب الحياة، وهو الذي يسترجعها متى شاء»؟