الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الأهوار .. تراث حضاري يواجه خطر الزوال

بواسطة azzaman

الأهوار .. تراث حضاري يواجه خطر الزوال

عصام الياسري

 

من بين ضحايا التراجع الحاد في المياه، تبرز أهوار العراق، تلك المسطحات المائية العريقة في جنوب ما يعرف ببلاد الرافدين، التي تمثل إرثا حضاريا وإنسانيا وبيئيا فريدا، مدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو منذ عام 2016.

لقد شهدت الأهوار، التي كانت يوما ما مصدرا للتنوع البيولوجي وموردا لمعيشة عشرات الآلاف من السكان، جفافا غير مسبوق، أدى إلى نفوق الثروة السمكية، وهجرة السكان الأصليين، وتراجع السياحة البيئية، وانقراض عدد من الكائنات البرية والمائية.

وتُعدّ كارثة الأهوار دليلًا صارخا على فشل الدولة في حماية مواردها البيئية التاريخية، وعلى غياب سياسات مائية عادلة وشاملة تحفظ هذا الإرث الفريد من الاندثار، رغم ما يمثله من رمزية عميقة في الذاكرة العراقية والعربية.

الغياب والتقصير

ورغم حجم الكارثة، لم تُظهر الحكومة العراقية حتى الآن إرادة سياسية واضحة لحماية الأمن المائي للبلاد. فالمواقف المعلنة لا تتعدى بيانات دبلوماسية متكررة، تفتقر إلى خطة قانونية أو تحرك دولي حقيقي، في وقت تمارس فيه دول الجوار سياسات الأمر الواقع دون رادع. فأزمة المياه في العراق ليست قضية بيئية فقط، بل قضية وجودية وسيادية. واستمرار الصمت الحكومي والركون إلى الخطابات الدبلوماسية دون فعل، سيفتح الباب أمام انهيار بيئي ومعيشي واسع، ويفاقم من الهجرة والنزاعات الداخلية مستقبلاً. حيث مستويات المياه تنخفض عاما بعد عام، والأراضي الزراعية تتحول إلى بوار، والسكان يفرّون من مناطقهم، والأهوار ـ جوهرة الجنوب ـ تُمحى من الخريطة. وبينما تعاني البلاد من هذا الخنق المائي، تلتزم الحكومة صمتا غير مبرر أمام تلاعب تركيا وإيران بحقوق العراق الطبيعية، وانتهاكهما الفاضح للقوانين الدولية.

 

فما الذي يجب فعله اذن، في الوقت الذي لم يعد يسمح بالتأجيل أو المجاملة؟. والحكومة العراقية غير جادة بالتحرك الفوري والحاسم للخروج من هذه الأزمة القاتلة، التي تتطلب أولًا: استراتيجية وطنية جريئة وشاملة ووضع خارطة طريق لمواجهة الاخطار البيئية الناتجة عن الانخفاض المتزايد لمناسيب المياه التي سببها دول الجوار.  وإلا فإن الجفاف لن يكون مجرد موسم عابر، بل عنوانا دائما لمستقبل البلاد.

إن عدم الضغط الحقيقي على تركيا وإيران لتأمين الحصص المائية هو إخفاق أخلاقي وقانوني في آن واحد. فمياه نهري دجلة والفرات لم تعد تصل كما يجب، والبلاد تدفع ثمن غياب الإرادة السياسية وضعف أدوات الردع من خلال تدويل ملف المياه عبر إنشاء وثائق قانونية وفنية موثقة بالأدلة، تُعرض أمام المنظمات الدولية والإقليمية. واللجوء إلى التحكيم الدولي والمحاكم المختصة، مثل محكمة العدل الدولية، لمواجهة السياسات الأحادية لتركيا وإيران. ايضا، فتح قنوات ضغط دبلوماسي وسياسي واقتصادي تُوظف فيها العلاقات الثنائية والعربية والإسلامية بالاضافة الى السعي إلى اتفاقيات قانونية مُلزمة تحدد حصة العراق من المياه وتضمن الرقابة والشفافية في إدارة الموارد المائية المشتركة.

من أكثر المشاهد إيلاما هو ما يحدث في أهوار العراق، تلك المسطحات الأسطورية التي ألهمت الشعراء واحتضنت أقدم القرى البشرية. هذه الأهوار، المصنفة ضمن التراث العالمي لليونسكو، تتعرض اليوم لـ جريمة إبادة بيئية.

فالماء بالنسبة للانسان والطبيعة، من أقدس الحقوق التي لا يجوز المساس بها. لكن الواقع العراقي يقول العكس تماما. ملايين العراقيين اليوم مهددون بالعطش، والنزوح، وانهيار سبل العيش، في وقت يفترض أن تكون الحكومة هي الجدار الأول لحماية هذا الحق، لا أول المتقاعسين عن توفيره لانقاذ الطبيعة والحياة البشرية والحيوانية من خطر الزوال.

 


مشاهدات 154
الكاتب عصام الياسري
أضيف 2025/08/22 - 10:51 PM
آخر تحديث 2025/08/30 - 1:14 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 320 الشهر 21597 الكلي 11416683
الوقت الآن
السبت 2025/8/30 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير