الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
(الزمان) تحاور آخر القوميين الوحدويين في العراق أحمد الحبوبي: أعتذر للشعب العراقي لأن جيلي لم يحقّق له أهدافه

بواسطة azzaman

(الزمان) تحاور آخر القوميين الوحدويين في العراق أحمد الحبوبيأعتذر للشعب العراقي لأن جيلي لم يحقّق له أهدافه

عبد الناصر قال لنا: زوجتي شيعية من الكاظمية

 البعثيون احتكروا فكرة الوحدة وحاربوا دعاتها القوميين

-  اعتقلت ثلاث مرات في زمن البعث بعد تموز 1968

-  صدام يستحق الاعدام لكن ليس بالتوقيت والطريقة اللذين تما بهما

-  الشعوب العربية مغلوب على أمرها والانظمة متخاذلة

 عبد الناصر مازال ماثلاً في قلوب الشباب وطلاب المدارس بمصر

-  امريكا ليست جمعية خيرية وأهدافها تكمن في الهيمنة السياسية والاقتصادية وحماية أمن اسرائيل

-  لا مخرج ممكن للوضع العراقي إلا بادارة شعبية تسقط العملية السياسية برمتها كما حدث مع الشاه

-  حزنت لخسارتي ثلاثة من أعز الاصدقاء

 

أحمد عبد المجيد

 

أعترف، اني لست على وفاق مع (جحاجيح) القوميين أو الوحدويين، برغم ان ذلك يبدو احياناً على مستويات. ولم يصادف اني كرست وقتاً لأي حوار يتسنى لي اجراؤه مع أحدهم. تلك مشكلة حاول بعض المقربين لي منهم، ايجاد حل وسط لها، لكن محاولاتهم باءت بالفشل.

غير ان إلاستثناء لهذا التاريخ من القطعية، حدث قبل أيام بواسطة الصديق المحامي البارز ضياء السعدي، الذي ابلغني بوجود ضيف قديم ومناضل وحدوي مشهور سيحل عليه، ولم يكن صعباً عليّ معرفة تاريخ الضيف الكريم، فقد سبق ان اطلعت على تراثه الفكري، عبر سلسلة من الكتب وقدرت مجهوداته السياسية من خلال سرديات المفكر الدكتور عبد الحسين شعبان، وقبله الباحث الموسوعي الراحل حميد المطبعي، ابن النجف، سليل أرث ثقافي يجمعه بالضيف المشار اليه.

أولى المفاجآت التي واجهتني، وأنا اطلب اجراء حوار صحفي مع السياسي والوزير السابق احمد الحبوبي، هي التواضع الجم الذي يتحلى به، وحيوية نشاطه الذي تجلى لي خلال الاتصال الهاتفي معي. كان صوته دال على عمر الشباب، برغم تجاوز سنه التسعين من العمر، أطال الله في حياته. تعارفنا سريعاً وتآلفنا سريعاً أيضاً. وفي اليوم التالي توالت المفاجآت، واولها دقة التزامه بالموعد، وحرصه على تقديم نسخ من كتبه مطرزة بالاهداء اللازم، ثم سعة صدره في تقبل طبيعة الحوار ومداخله وصولاً الى استدراج ارائه في القضايا القومية الراهنة، وفيمايلي نص الحوار مع الوزير والسياسي الكبير أحمد الحبوبي، الذي يقوم حالياً بزيارة روتينية الى بلده، قادماً من مقر اقامته في القاهرة:

 في مذكراتك المطبوعة المتداولة في المكتبات حالياً، عنوان موحٍ هو (رسالة اعتذار الى الشعب العراقي) .. ترى هل وصلت الرسالة في ظنك؟

- حاولت ايصالها برغم اني لم أقم بعمل يجبرني ان أعتذر. أنا أعتذر بمفهوم اني لم استطع، لا أنا ولا جيلي ان نحقق اهداف العراق التي ناضلنا من أجلها .. الاستقلال والوطنية وما الى ذلك. هذا الذي دعاني الى الاعتذار. والأمر الثاني اننا لم نستطع ان ندفع عن العراق الأذى والضرر طيلة هذه المدة التاريخية الطويلة. أنا لم اقم بشيء ضد وطني العراق لا سامح الله، لكي اعتذر منه، انما جاء الاعتذار لعدم امكاني وجيلي من تحقيق اهداف العراق او دفع الاذى عنه.

 يعني اعتذارك ليس شخصياً؟

- ليس شخصياً انما هو اعتذار عام.

  بمعنى ليس اعتذاراً عن فكرة سياسية كنت تنتمي اليها أو حركة كنت تنتمي لها؟

-نعتذر لاننا لم نقم بتحقيق أهداف العراق. ما وفقنا ولم ننجح. هذا الذي جعلني أعتذر. لم نستطع ان ندفع عن العراق الأذى سواء من الاستعمار البرطاني الذي حكم العراق او من القوى السياسية. انا لم اقم بشيء سيء لكي اعتذر. أنا أستوزرت مرتين، في المرة الاولى 44 يوماً واستقلت والثانية ستة أشهر واستقلت، لاني اكتشفت ان الشعب العراقي غير راض عن الحكم. استجبت لرغبة العراقيين واستقلت في المرتين.

  تصفحت كتابك الثاني (أشخاص كما عرفتهم) ووجدت انك تحدثت عن رؤساء وزعماء وقادة فكر وسياسة .. فأي واحد من هؤلاء الاشخاص بقي راسخاً في ذهنك؟

وفاجأني الحبوبي بالاسم ، لأني عرفته قومياً ناصرياً، قال على الفور:

-الشيخ أحمد الجزائري.

 لماذا؟

-لانه رجل دين ووالده مرجعية دينية، انه نجل العلامة عبد الكريم الجزائري. لديه مدرسة، وقد غادر الجو الديني المتزمت في النجف وتبنى قضية قومية عروبية تخالف الاتجاه الديني الصرف لوالده وعشيرته. ذلك لفت نظري فيه. كان صديقي الصدوق.

  وموقع جمال عبد الناصر بين هؤلاء؟

- عبد الناصر، شخصية حققت آمالنا. كنا نحلم، ولعلمك سيدي الكريم، ان الوحدة العربية والقومية العربية فكرة ولدت قبل عبد الناصر، لكن عبد الناصر جاء وجسدها عملياً. حققها بقيام الوحدة بين مصر وسوريا عام 1958. خلق في نفوسنا أملاً كوحدويين. أنا في الاربعينات أنادي بالوحدة وجاء عبد الناصر ليحققها ، فكان أملاً ولذلك تكالبت عليه كثير من القوى العربية مع الاستعمار الخارجي لاسقاطه. اذن يبقى عبد الناصر رمزاً، لكنه كانسان يخطئ ويصيب، لكنه رمز حقق الكثير. فله وقع كبير في نفسي وفي جيلي.

  وسألته ما لم يكن يتوقعه: هل التقيت صدام حسين؟

- الله يرحم والديك .. ست سنوات ونصف كان معنا في القاهرة. ففي لجوئنا الاول زمن عبد الكريم قاسم في الستينات، اضطررنا كقوى قومية، قوميين وبعثيين ان نذهب الى القاهرة. كان صدام أصغر عضو في حزب البعث، عمره 18 سنة ويومها كان مسؤول حزب البعث فؤاد الركابي. صدام كان هناك ونلتقي في بعض المناسبات. كان مجموعنا نحو 50 عراقياً من القوميين والبعثيين. كان عبد الرحمن البزاز وفائق السامرائي وسلمان الصفواني وجابر عمر، هؤلاء قوميون أما البعثيون فكان الركابي قبل ان ينشق عن حزب البعث عام 1961، ابان انفصال الوحدة بين مصر وسوريا وميشيل عفلق أيد الانفصال فانشق الركابي عن الحزب لانه رفض تأييد البعث للانفصال، وأسس حزباً آخر اسماه حزب البعث الثوري مع مجموعة اردنيين وفلسطينيين، وقد استلم قيادة الحزب مدحت جمعة وكان صدام معه الى جانب 16 أو 17 عضواً التحقوا به، فيما كان مع الركابي ثلاثة اشخاص فقط ، عبد الله الركابي ابن عمه وآخر سامرائي (نسيت اسمه) ووميض عمر نظمي.

  وبعد تموز 1968 .. هل التقيت بصدام حسين؟

- بعد مجيئ البعث للحكم، لم نلتق بهم، وكان صدام حسين عنيفاً وصدامياً ومجرماً، لكن بعد 1968 اعتقلت ثلاث مرات، وهو أرسل في طلبي عندما عرف نيتي مغادرة العراق. ارسل في طلبي وقابلني مقابلة طويلة ذكرتها في مذكراتي.

 استاذ أحمد .. حدثني عن قصة لقائك بعبد الناصر في القاهرة على مائدة الغداء وكان موضوع سمك (الجري) حاضراً؟

ابتسم الحبوبي واحالني في بعض التفاصيل الى كتابه الذي تحدث فيه عن شخصية عبد الناصر . وقال:

- كنا ضمن وفد رسمي ابان كنت عام 1965 وزيراً للشؤون البلدية والقروية وصادف ذكرى ثورة 23 يوليو 1952. فاقترح عبد السلام عارف ارسال وفد عراقي للتهنئة بالمناسبة. وكان رئيس الوزراء يومها طاهر يحيى، فتشكل الوفد من اربعة اشخاص هم طاهر يحيى وناجي طالب وزير الخارجية وأنا كوزير للشؤون البلدية والقروية، اضافة الى عبد الرحمن عارف الذي كان يشغل رئاسة اركان الجيش. ذهبنا الى القاهرة ومكثنا أسبوعاً، حضرنا جميع الاحتفالات الرسمية المقامة بالمناسبة، وضمن برنامج الزيارة ذهبنا الى الاسكندرية، واقام عبد الناصر مأدبة غذاء للوفد العراقي في منزله، وبحضور جميع اعضاء القيادة المصرية على صبري وزكريا محيي الدين وحسين الشافعي، كما كان معنا السفير العراقي شكري صالح زكي الله يرحمه . كنا جالسين على البحر وجاء المرافق مشيراً الى جاهزية الغداء، ودخلنا غرفة كبيرة تتوسطها مائدة الطعام وقفنا اولاً، وقبل ان نتقدم رغب السفير زكي ان يتصنع نكتة، بقصد اضحاك الحضور، فالتفت الى عبد الناصر وقال سيدي الرئيس ان أحمد الحبوبي لن يتناول هذه السمكة واشار الى سمكة كبيرة فتساءل عبد الناصر (ليه) فأجاب السفير لان الحبوبي شيعي.

 ها..

 انتفض عبد الناصر وسأل (مالهم الشيعة؟ انا مراتي تحية (اسم زوجة جمال عبد الناصر) شيعية من عندكم في الكاظمية)، ثم التفت لي وقال لماذا لا تأكلون هذه السمكة؟. فذكرت تفاصيل الفتاوى بشأنها وضحكنا ثم اكلنا؟.

 لكن ثمة من يعد (نكتة) السفير تنطوي على قصد طائفي؟

- وبدا الجبوري غير مكترث لهذا التحليل، لكنه رأى ان موقف السفير عفوي ولا ينطوي على أي قصد سوى محاولة الاضحاك.

 وسألت الحبوبي من جديد عن أحد مؤلفاته (ليلة الهرير)، الذي يوثق الاعتقال في قصر النهاية:

ماذا بقي من كوابيس هذه الليلة في داخلك؟

- والله اعايشها كل يوم، رهيبة، تصور اني اختطفت من بيت صديقي، بينما كانت الاذاعة تبث قرارات اعدام دفعات ممن وصفوا بالمتآمرين (ذهبت الى مزبلة التاريخ). لقد خطفوني من بيت صديقي وذهبوا بي الى قصر النهاية ورأيت الاجواء التي يصعب علي وصفها الآن. ليلة رهيبة.

  استاذ أحمد .. أرغب ان اسمع منك تعليقاً موضوعياً عن اعدام صدام وقاطعني مؤكداً:

- لقد كنت في القاهرة. صدام يستاهل كل عقوبة، لقد أساء للعراق وللعراقيين والعرب، لكن لم اكن ارغب باستغلال ليلة كريمة، ليلة العيد في تنفيذ اعدامه.

 انت رأيت العملية بالفضائيات؟

- تمام منذ المجيء به وصعوده المشنقة ورفضه ارتداء الكيس، كلها رأيتها، لكن ما كنت اتمنى ان يتم ذلك في تلك الليلة، لان التقولات بدأت تنسج وارتبطت باسم نوري المالكي.

  ألا تعتقد ان طريقة الاعدام بالصورة التي شاهدناها، كانت مصممة؟

- والله قيل الكثير بشأنها، بينها وجود مناسبة عائلية لدى المالكي، وهو الذي أصر على التنفيذ .. وربما هناك زخم ايراني أو دافع ذاتي وراء التعجيل بالعملية .. المهم ان المالكي لعب دوراً خطيراً في ذلك.

- نعم هو الذي وقع قرار الاعدام لان الطالباني رفض التوقيع بحجة مشاركته موقف الاحزاب الاشتراكية العالمية الرافضة لمبدأ هذه العقوبة.

 انت ما الذي قلته في نفسك؟

- هو يستحق كل اجراء، لكني أرفض الطريقة التي تم بها الاعدام. كان صدام قاتلاً.

 وشدد الحبوبي على هذه المفردة مظهراً الامتعاض، لكني قررت تغيير دفة الحوار وسألته:

استاذ أحمد ، ثمة حيرة في تفسير نواحي الاتفاق والاختلاف بين القوميين والبعثيين. هل ثمة رأي بهذا الخصوص؟

- البعثيون يحملون شعارات قومية، والقوميون يحملون شعارات مماثلة، لكن البعثيين يعتقدون انهم الأحق والأجدر والأولى بتحقيق الاهداف القومية ، لذلك لم يسمحوا لأي صوت قومي وحدوي بالتعبير إلا من خلالهم. لقد اصروا على دمج كل القوميين بصفوف حزب البعث. لذلك حاربوا كل الحركات والقوى القومية. لقد حاربها حزب البعث ظناً منه انه الأحق بتحقيق اهداف الوحدة.هذا هو جوهر الخلاف، حتى أنا يوم ارسل عليّ صدام ليلة سفري ظل يهددني بان البعث هو الذي يحقق الوحدة، وقال لي لا نريد ان نخسرك يا أحمد يا حبوبي، انت قومي ولابد ان تنضم الينا. يعني اراد القول انك عزيز علينا ولا نريد ان نخسرك اذا بقيت تحب عبد الناصر أو تنتمي الى حركة قومية أخرى.

  وفي تقديرك هل تم تحقيق شيء من الوحدة العربية، مع هذا الاصرار على تبني هذه الفكرة طيلة عقود؟

وبجواب قاطع قال الحبوبي:

- لا .. لا أبداً ، والدليل ان حزب البعث يحكم العراق ويحكم سوريا والاثنان اهدافهم وحدة وحرية واشتراكية وزعيمهم ميشيل عفلق في وقت بينهما صراع، ولاسيما بين حافظ الأسد وصدام حسين.

 وكان لابد ان يحضر الوضع في غزة على مائدة حوار طرفه آخر حملة الفكر القومي الوحدوي الناصري في العراق، فالحبوبي من مواليد النجف 1931 وقد أهدر في نضاله نحو ثلاثة ارباع عمره وتحديداً منذ شاعت فكرة الوحدة العربية، ثم جرى تأسيس تنظيمات تحمل منطلقاتها بدءاً من عام 1946.

وسألته:

انت كوحدوي عروبي كيف تنظر الى المأساة في غزة؟ وكيف تقيّم الموقف العربي الرسمي والشعبي؟

- الوضع الحالي تقف وراءه الانظمة.

 والشعوب؟

-مغلوب على أمرها . حتى مصر الشعب يريد ان يفعل شيئاً: جندي أو ضابط يقتل قوات اسرائيلية امامه. الظاهر وجود تخطيط خارجي. والانظمة العربية متخاذلة والشعوب ... اتذكر اني في القاهرة حضرت تجمعاً بذكرى ولادة جمال عبد الناصر، وفوجئت بمئات الشباب طلاب مدارس ثانوية ومتوسطة اعمارهم بين 14 – 18 سنة واطفال قادمون لقراءة الفاتحة على روحه وحاملين الاعلام. انهم لم يروه في حياتهم لانهم لم يخلقوا انذاك . يبدو ان فكره موجود وقد حقق شيئاً للأمة العربية. صح لا يوجد نشاط او تنظيم لكن يوجد في دواخلهم شيء من عبد الناصر.

  هذا ينطبق على ملايين الشباب في امريكا اللا تينية وأوربا يحملون صور جيفارا على قمصانهم.

- برافو عليك. التكريم لهذا الرجل موجود.

 استاذ أحمد .. كم سنة مضت على وجودك في المنفى قبل ان تزور العراق؟

- انا غادرت العراق في تموز 1970 وعدت بعد احتلاله الأمريكي بستة أشهر. وصلت وأنا حزين في الطريق من الاردن فتشنا الامريكان . بقيت مدة قصيرة وغادرت . ومازلت اذهب واعود وأنا غير راض بالمطلق عن الوضع السياسي الحالي في العراق.

 ومازلت غير راض بعد 21 سنة؟

- نعم .. فالامريكان ليسوا جمعية خيرية حلت على العراق لتحريره من صدام، بل لواشنطن أهداف . لها ولعموم الغرب هدفان مركزيان الاول الهيمنة السياسية والاقتصادية والثاني حماية أمن اسرائيل. وقد تحالفت مع قوى المعارضة العراقية على تنفيذ هذا المخطط ، أمريكا سلمت الحكم لما اسمته المحاصصة التي وزعت نسبها بين الشيعة والسنة والاكراد، وهؤلاء جميعاً همهم ليس خدمة العراق والمواطنين، بل همهم ان يحكموا ويتحكموا ويستفيدوا والدليل ان العراق منذ 2003 يتقهقر ويتردى والحديث في ذلك طويل وموجع.

  لكن بحكم خبرتك وسنوات عمرك وتجاربك .. هل ترى مخرجاً للوضع الراهن في العراق.

- لابد من مخرج.

 متى؟

-سيدي الكريم، ان تغيير النظم السياسة في الشرق الاوسط والعالم الثالث لا يتم إلا بأحد ثلاث وسائل . أما بانقلابات عسكرية وهذا حدث في العراق وسوريا واليمن وامريكا اللاتينية وأفريقيا، لكن يبدو لي ان العالم الآن لم يعد متجهماً لحدوث انقلابات عسكرية ، أو طريق ديمقراطي بانتخابات حرة ومجيء ممثلين وطنيين يحكمون البلد، والوسيلتان لا تتمنان في العراق، لان الجيش حل والانتخابات الحرة غير متحققة، كما ينبغي، والدليل مقاطعتها الواسعة. ويبقى الحل الثالث الحقيقي وهو الادارة الشعبية. وقد تم تطبيقها في ايران بعد مجيئ الخميني الذي جاءت الجماهير الشعبية به، كما تحققت في مصر عندما أسقطت الجماهير حسني مبارك .. مظاهرات ظلت أشهراً ثم سقط مبارك. اذن انا مؤمن ان الشعب هو القادر، بوجود قيادة مقتدرة ومثقفة، على اسقاط العملية السياسية.

 واستأذنت الحبوبي للاستعانة بصديق لاستخلاص بعض الاسئلة، وإلتفت الى الصديق الثالث بيننا المحامي البارز ضياء السعدي الذي رتب لي مشكوراً هذا الحوار، لاسعافي بسؤال أو اكثر ، لكن السعدي كعادته كناشط قومي بدأ يشرح ويحلل ويقترح ، فأوقفت الحوار ذاهباً مع الحبوبي الى آخر احزانه.

وبعيون دامعة قال:

- ان احزان احمد الحبوبي الآن تكمن في استشعار خسارتي برحيل ثلاثة من اعز اصدقائي: مبدر الويس ونوري عبد الرزاق وطالب البغدادي.

 وأسدلت الستار على الاحزان، شاكراً للحبوبي سعة صدره وطول صبره.

وجدت عبد الناصر إنساناً بسيطاً حتى في مظهره فملابسه عادية تماماً ففي المرات الثلاث التي قابلته فيها كان يرتدي القميص والبنطلون ... يعمل وبتلقائية على رفع الكلفة بينه وبين من يجالسه أو يقابله أو يتحدث معه، فهو دائم الابتسام وجيد الإصغاء ويوحي للمتكلم أنه مهتم بكل ما يقول فكله آذان صاغية ولا يقاطع المتحدث بل يتركه يسترسل إلى أن ينهي كلامه، وأن تكلم يميل إلى الإطالة ويعنى بالتفاصيل الدقيقة، يعرف بشكل جيد ظروف العراق وقواه السياسية مدنية وعسكرية وعن كل بلد عربي محيط هو بكل التفاصيل عنه لا تكاد السيكارة تفارق أصابعه، لعينيه بريق ولمعان غريب يسحران ويأسران من يجالسه وقد أفاض كثيرون ممن قابلوه عن ظاهرة عينيه هذه تشعر بأنك راض عن المقابلة ومرتاح لها ويدخل عبد الناصر قلبك وقد يكون رغماً عنك)).

  عن كتاب (اشخاص كما عرفتهم)

 


مشاهدات 428
أضيف 2024/06/11 - 5:22 PM
آخر تحديث 2024/07/13 - 6:32 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 333 الشهر 5845 الكلي 9367917
الوقت الآن
السبت 2024/7/13 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير