كلام أبيض
الأصفر يليق بك
جليل وادي
أعجبني أن أستعير عنوان هذا المقال من الكاتبة المبدعة، الجزائرية المولد والبيروتية الإقامة، التي وشّحت به روايتها الشهيرة التي حملت عنوان (الأسود يليق بك)، الصادرة في العام 2012، وما زالت مركونة في درج مكتبتي بانتظار أن يتاح الوقت المناسب لقراءتها، مع أن أكثر ما يستهويني من أحلام مستغانمي مقالاتها الصحفية.
وقصة (الأصفر يليق بك)، وليس الأسود، وإن قالوا إن لبس السواد على البياض مصيبة، ذلك أن التي سأتحدث عنها ناصعة البياض، يفوح من محياها الدلال، ومع البراءة يكون الأطفال شيئاً آخر يتعذر وصفه. ولأنهم صفحة بيضاء، لذلك يرسخ النقش عليها أكثر من أية مرحلة عمرية أخرى.
لم تنم هند ليلتها إلا إغفاءات قصيرة، وضعت ملابسها الصفراء تحت وسادتها، والحقيبة المدرسية إلى جانب السرير، بانتظار أن ينبلج الفجر بأسرع وقت. تقلّب في هاتفها طوال الليل، تبحر في مواقعه المختلفة، وتتوقف عند تلك التي تستهويها. يغلبها تعب الإبحار، فيسقط الهاتف من يدها، فتفز من نومها مذعورة، فتهرول نحو النافذة للتأكد من أن الفجر قد طلع أم ما زالت حلكة الليل تغلف المكان.
غداً أول يوم لها في المدرسة، وستكون هي الأجمل بين زميلاتها في تنورتها الصفراء وقميصها الأبيض، لكنها خشيت ألا ترضى المعلمة عن ملابسها الصفراء، وربما تحاسبها، لأن الزي الموحد للتلميذات هو التنورة الزرقاء والبنطال الرصاصي للذكور. كم تمنت هذا اليوم الذي يشبه الليلة التي تسبق العيد، عندما يضع الأطفال ملابسهم تحت الوسادة، ذلك أنها أقرب الأمكنة إليهم، فيرتدونها بأسرع وقت، أو للشعور بالاطمئنان على وجودها، تحسباً من حدوث شيء ما فيفقدونها، فالوسادة أكثر أمناً من أي مكان آخر، حتى وإن كان هذا المكان أحضان الأمهات.
المدرسة بالنسبة لهند وأمثالها عالم جديد يدفعهم الفضول للتعرف إليه، ظانين أن عالمها هو الأكثر متعة في اللعب من العالم الذي هم فيه. ومع أن هند مدللة أبويها اللذين وفّرا لها كل ما ترغب فيه، وأولها الهاتف الحديث والأحذية والملابس البراقة التي يطغى عليها اللون الأصفر، واليوميات النقدية التي تمكنّها من شراء ما تحب من الحلويات والجبس اللذيذ، لكن مراجيح المدرسة وألعاب التزحلق هي الأشياء التي تظنها متوفرة في المدرسة بكثرة، فهام بها الخيال وهي تركض مع صديقاتها، يتسابقن للوصول إلى لعبة التزحلق، وفوزها بلعبة جر الحبل والقفز عليه. شعرت بارتياح كبير للعبة الدوران حول حلقة التلاميذ، مطاردة زميلة لها للإمساك بها، لكن صوت صرير الباب قطع عليها خيالها الجامح، فتلمست ملابسها تحت الوسادة، ونظرت إلى عيني الدب الإسفنجي الجالس بجانب حقيبتها، فعادت ثانية إلى هاتفها تتصفح فيه. شعرت بدبيب فرح يتسلل إليها من أصابع قدميها، وهي ترى في فيديو كيف يقف التلاميذ بالدور للصعود إلى الباص الأصفر المتجه إلى مدرستهم المواجهة لساحة خضراء، بينما نسيم شفيف يداعب خصلات شعر البنات. وكم تمنت أن تعرف ماذا يقلن باللغة الإنكليزية، فالكلمات التي حفظتها لا تعينها على فهم معنى كلامهن. أعجبها سائق الباص بقبعته الرصاصية، وهو يضغط زر غلق الباب بعد أن جلست آخر طالبة. غلبها النعاس فسقط الهاتف، لتفز مرتجفة خوفاً من فوات موعد المدرسة، فهرعت نحو النافذة لتجد الشمس قد بزغت بلونها البرتقالي المائل إلى الصفرة. بدت أسارير الفرح تلوح على محياها، وابتسامة وردية على شفتيها. عليها أن توقظ أمها النائمة في الغرفة المقابلة، وعندما طرقت الباب، ردت عليها أمها بأن الوقت ما زال مبكراً. أزعجها هذا الرد، فما كان بوسعها إلا أن تقول: ماما حبيبتي. فرقّ قلب الأم وهي تفرك عينيها.
ارتدت هند ملابسها الصفراء التي أجبرت الأبوين على شرائها، إلى جانب شراء تنورة زرقاء، مشترطين عليها الالتزام بالزي الموحد باستثناء اليوم الأول، وقد وافقت على هذا الشرط على مضض، لكن موافقتها كانت باهتة، وفي دواخلها إصرار على ارتداء التنورة الصفراء فقط.
وعندما حان الوقت الذي مرّ ثقيلاً على هند، خرجت مع أبويها إلى باب الدار بانتظار خط المواصلات الذي يوصلها إلى المدرسة، لكنها سرعان ما صرخت باكية: (والله ما أروح)، وفرّت مسرعة نحو البيت عندما دعاها والدها إلى ركوب التكتك الأحمر، مرددة: أريد الباص الأصفر.
jwhj1963@yahoo.com