في صالة إختبار الإرادة
فلاح حسن الموسوي
تأتي اللحظات الفارقة في تاريخ الشعوب لتختبر صمود المؤسسات وصدق النوايا، وتضع رجال الدولة في مواجهة صريحة مع التاريخ قبل الشارع. وفي مشهد لم يخْلُ من الدلالات السياسية والإنسانية العميقة،
ترأس السيد علي فالح الزيدي جلسة مجلس الوزراء والتي تم خلالها أداء القسم من قبل نوابه والوزراء «قسم الشرف والنزاهة»، لم يتحدث الزيدي بلغة الإحصاءات الجافة، بل اعتمد لغة المواجهة الأخلاقية والتكليف الوطني. لقد وضع يده مباشرة على جرح الأزمة وشخّص الصورة الذهنية الانطباعية السائدة لدى الشارع بصراحة متناهية، مُعلناً أن الرهان الأساسي لهذه الحكومة لا يتوقف عند حدود إدارة الملفات الخدمية والإدارية، بل يتجاوز ذلك إلى «الإثبات العملي» بأن رأس السلطة نقي، وأن العهد القديم لاستنزاف ثروات البلاد قد ولى إلى غير رجعة.
القسم ليس مجرد طقس.. بل درع وميثاق.
من يقرأ تحولات المشهد يدرك أن الدولة تتجه نحو صياغة معادلة جديدة لإدارة السلطة، تتأسس على إلغاء مفهوم «الخطوط الحمراء» أو الحصانات السياسية التي اتخذ منها الفاسدون ملاذاً آمناً لسنوات طويلة. لقد رسم رئيس الوزراء معالم الطريق: المصلحة الوطنية هي المعيار الأعلى، والخدمة المباشرة للمواطن هي رخصة الاستمرار في المنصب.
إن التحدي الحقيقي الذي يواجه البلاد اليوم لا ينحصر في تشييد المشاريع العمرانية وتنويع مصادر الاقتصاد فحسب، بل يبدأ أولاً من ترميم جسور الثقة المنهدمة بين المواطن ومؤسسات دولته. ومن هذا المنطلق، فإن التعهد بأن «هذه الحكومة خالية من الفساد ومكرسة لخدمة الشعب» يشكل ميثاقاً ثقيلاً وتحدياً ذاتياً رفعه الجهاز التنفيذي أمام الرأي العام.
إن التاريخ لا يسجل الأماني والوعود، بل يخلّد القرارات الجريئة والأفعال الملموسة. واليوم، بعد أن قيلت الكلمات الشجاعة وأُديت اليمين، ينتظر الشارع العراقي ترجمة هذه التعهدات إلى واقع ميداني، ليتحول «قسم الشرف» من خطبة مرحلة إلى خريطة طريق تعيد للمؤسسات هيبتها وللمال العام حرمته المقدسة.