الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الرئيس..من الحزب إلى القبر

← بواسطة azzaman

هاشتاك الناس

الرئيس..من الحزب إلى القبر

ياس خضير البياتي  

 

في العراق، اكتشفنا نوعًا جديدًا من الديمقراطية لم يعرفه أفلاطون ولا أرسطو: ديمقراطية رئيس الحزب، حيث تُجرى الانتخابات، وتُعقد المؤتمرات، وتُرفع الشعارات، لكن النتيجة معروفة سلفًا: الرئيس باقٍ، ولا بديل له، حتى لو أصبح الحزب عاجزًا عن التنفس من دونه!

كنا نعيب على النظام السابق الدكتاتورية واحتكار السلطة والحكم مدى الحياة، ونحلم بعراق جديد يحترم المؤسسات ويؤمن بالتداول السلمي للمسؤولية. لكن يبدو أن بعض أحزابنا فهمت الدرس بطريقتها الخاصة: لا بأس برفض دكتاتور واحد، شرط أن نوزّع الدكتاتورية على عشرات الأحزاب، فيصبح لكل حزب دكتاتوره، ولكل دكتاتور جماعته، ولكل جماعة نشيدها في تمجيد القائد الضرورة!

وهكذا تحولت بعض الأحزاب إلى جمهوريات صغيرة، لها رئيس لا يتغير، ومؤتمر لا يفاجئ أحدًا، وانتخابات داخلية تشبه مسرحية يعرف الجمهور نهايتها قبل أن ترتفع الستارة. تُفتح الصناديق، وتُفرز الأصوات، فيفوز الرئيس الذي كان يفوز قبل الانتخابات، ويعود الجميع إلى بيوتهم مطمئنين إلى أن الديمقراطية أدّت واجبها، ما داموا قد غيّروا ترتيب المقاعد!

أما تداول السلطة، فله تعريف عجيب: يتداول الرئيس السلطة بين يديه، وفي الاجتماعات والخطابات، لكنه لا يتداولها مع أحد. إنها سلطة متداولة نظريًا ومحتكرة عمليًا، مثل مفتاح بيت يحتفظ به صاحبه في جيبه، ثم يعلن أن أبوابه مفتوحة للجميع!

والأطرف أن بعض الرؤساء يتعاملون مع المنصب كأنه ملكية شخصية مسجلة في دائرة عقارية. لا يسألون إن كان الحزب بحاجة إلى دماء جديدة، أو إن كان هناك جيل يمتلك أفكارًا مختلفة؛ بل يبدو أن السؤال الذي يقلقهم هو: من الذي تجرأ وفكّر في أن يأتي بعدي؟

فالرئيس عندهم ليس قائدًا للحزب، بل هو الحزب وتاريخه ومستقبله، وربما أرشيفه المالي والسياسي أيضًا. إذا غاب عن اجتماع، أصاب التنظيم قلق وجودي، وإذا سافر تعطلت البوصلة، وإذا مرض دخلت القيادات في استنفار، كأن الحزب لم يُبنَ على مبادئ ومؤسسات، بل على جهاز تنفس اصطناعي موصول بمكتب الرئيس!

وقد يتقدم العمر ببعض القادة، وتتعب أجسادهم، وتثقل خطواتهم، لكن مغادرة الكرسي تبدو أصعب من صعود جبل. فالكرسي، كما يبدو، يمتلك قدرة علاجية لا توفرها المستشفيات؛ كلما اقترب موعد التقاعد، اشتدت الحيوية السياسية، وعاد التمسك بالمنصب إلى ذروته!

وليست المشكلة في عمر الرئيس؛ فقد يكون المسن حكيمًا، وقد يكون الشاب مستبدًا. المشكلة في سنوات الاحتكار التي يُحرم خلالها الآخرون من فرصة القيادة. فالقائد الحكيم يعرف متى يسلّم الراية، أما من يعتقد أن الحزب يبدأ به وينتهي عنده، فيرى في كل خليفة محتمل مؤامرة تمشي على قدمين.

أما الشباب، فعليهم أن يتعلموا من خبرة الرئيس، وأن يصبروا، وأن ينتظروا، ثم ينتظروا أكثر. وقد يبلغ بعضهم سن التقاعد قبل أن يحصل على فرصة قيادة فرع حزبي، فيما يظل الرئيس في مكانه، بالخطاب نفسه والوعود نفسها، مطالبًا الشباب بأن يكونوا أمل المستقبل، شرط ألا يطالبوا بمقعد في الحاضر!

وهنا يبرز السؤال: إذا كان الحزب ديمقراطيًا، فلماذا يخاف من تغيير رئيسه؟ وإذا كان الرئيس واثقًا من شعبيته، فلماذا لا يخضع لمنافسة حقيقية وإرادة أعضاء حزبه؟ أليس تداول المسؤولية دليل قوة المؤسسة، لا إهانة القائد؟

إن الحزب الذي لا يستطيع تغيير رئيسه سلميًا، يصعب عليه إقناع الناس بأنه قادر على بناء دولة ديمقراطية. فالديمقراطية ليست صندوق اقتراع يُخرج النتيجة التي يريدها صاحب القرار، ولا مؤتمرًا لتجديد البيعة، بل قواعد عادلة تمنح الآخرين حق المنافسة والمحاسبة والتغيير.

لقد تخلصنا من فكرة الحاكم الذي يريد البقاء إلى الأبد، فإذا بنا نواجه نسخًا حزبية متعددة من الفكرة ذاتها؛ لكل نسخة شعارها وعلمها وخطابها، ولكل منها رئيس يشرح فضائل الديمقراطية، ثم يعود إلى مكتبه ليتأكد أن أحدًا لم يفكر في منافسته.

وفي النهاية، لا نعرف أيهما أطول عمرًا في بعض أحزابنا: الرئيس أم الأزمة، ولا أيهما أكثر ثباتًا: النظام الداخلي أم اسم الزعيم على رأسه. فالديمقراطية قد تسمح بتغيير الحكومات والتحالفات والمواقف، لكنها تتوقف فجأة أمام باب مكتب الرئيس؛ هناك يصبح التغيير مؤامرة، والتجديد قلة وفاء، والخلاف خيانة، والكرسي إرثًا لا يجوز المساس به.

ربما آن الأوان لتعديل شعارات بعض الأحزاب، وإضافة جملة صغيرة إلى بياناتها الرسمية: «نؤمن بالديمقراطية، ونتعهد بتداول السلطة... على أن يبدأ التداول بعد انتهاء خدمة الرئيس في الحياة!».

yaaas@hotmail.com

 

 

 


مشاهدات 97
الكاتب ياس خضير البياتي  
أضيف 2026/10/25 - 2:47 PM
آخر تحديث 2026/10/26 - 6:03 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 727 الشهر 51696 الكلي 16636865
الوقت الآن
الإثنين 2026/10/26 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير