الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حكايا عن الوفاء في زمن النفاق.. الجوهر يتجاوز ضجيج الشهرة

← بواسطة azzaman

حكايا عن الوفاء في زمن النفاق.. الجوهر يتجاوز ضجيج الشهرة

دبي -  رياض محسن المحمداوي

ذكّرتني حكاية حقيقية جرت أحداثها في مجتمع أهل الفن، بأن الشهرة مهما علا ضجيجها، تبقى عاجزة عن إخفاء معدن الإنسان الحقيقي. فهناك صداقات تُولد في زمن النجاح، لكنها لا تُختبر إلا في زمن المحنة، وهناك أسماء يرحل أصحابها، لكن مواقفهم تبقى حية، تتحول مع مرور الأيام إلى رموز للوفاء والمحبة ونكران الذات ودوام المعروف.

ومن أجمل ما يُروى في هذا الباب، قصة جمعت بين الفنان الكوميدي عبد السلام النابلسي والموسيقار فريد الأطرش، وهي قصة تختصر معنى الصداقة الحقيقية في موقف واحد.

ففي إحدى حلقات البرنامج التلفزيوني الشهير (نجوم على الأرض)، التي استضافت الفنان عبد السلام النابلسي، تحدث النابلسي عن موقف إنساني ظل محفوراً في ذاكرته، وكان سبباً في عشقه الاستثنائي لصديقه فريد الأطرش. كان النابلسي يمر بظروف مادية صعبة، ثم ألمّ به مرض شديد اضطره إلى البقاء في المستشفى أكثر من أربعين يوماًخلال تلك الفترة، زاره عدد كبير من الفنانين والفنانات، وبعضهم عرض عليه المساعدة، لكن النابلسي اكتشف، كما قال، أن كثيراً من الوعود لم تتجاوز حدود الكلام.وعندما حان موعد خروجه من المستشفى، كانت المفاجأةلقد دُفع حساب المستشفى كاملاً.وحين سأل عن صاحب هذا الموقف، عرف أن فريد الأطرش هو من تكفّل بالمبلغ، رغم أن فريد نفسه كان يمر بضائقة مالية، بل إنه اضطر إلى اقتراض المال حتى يسدد حساب صديقه.وحين واجهه النابلسي مستنكراً: كيف تفعل ذلك وأنت لا تملك المال؟

كان الجواب أبلغ من كل الكلاملقد اختار فريد أن يقف إلى جانب صديقه في محنته، حتى لو كان هو نفسه يمر بمحنة. هنا تحديداً تظهر قيمة الصداقة فالإنسان يستطيع أن يكون صديقاً لك حين تكون قوياً، مشهوراً وميسوراً، لكن الصديق الحقيقي هو من يبقى عندما تسقط كل هذه الأشياء.

ولهذا بقي فريد الأطرش في ذاكرة عبد السلام النابلسي، لا بوصفه موسيقاراً كبيراً فحسب، بل بوصفه إنساناً وفياً.رحم الله الاثنين، فقد رحلا، لكن موقفاً واحداً منهما ظل حياً.

هذه الحكاية القديمة أعادت إلى ذاكرتي مواقف لفنانين معاصرين، لا يستطيع القلم النزيه أن يتجاهلها، لأنها ليست مجرد مجاملات بين أهل الفن، بل شهادات للتاريخ.

والحديث هنا ليس عن الفن وحده، ولا عن الأغنية والنجومية، وإنما عن أخلاق الفنان عندما يكون بعيداً عن الكاميرا.فالموهبة تمنح الإنسان الشهرة، لكن المواقف تمنحه الاحترام.

ومن النماذج التي تستحق أن تُذكر التاريخ. الفنان ماجد المهندس، وما عُرف عنه من مواقف إنسانية تجاه عدد من زملائه وأساتذته.ومن أبرزها موقفه مع أستاذه الفنان الراحل فاروق هلال، عندما احتاج الأخير إلى إجراء عملية جراحية بعد ظهور ورم لديه. وفي تلك الظروف، كان لماجد المهندس موقف إنساني واضح، إذ حرص على توفير ما يحتاجه أستاذه من تسهيلات ورعاية، ومتابعة إجراءات المستشفى والفحوصات والإقامة في دبي حتى إتمام العلاج والاطمئنان على صحته، ليتبين لاحقاً أن الورم حميد.ولم يتوقف الأمر عند ذلك، فقد عُرفت له مواقف أخرى تجاه الفنان الراحل، كما ارتبط اسمه بمواقف إنسانية تجاه زملاء آخرين، من بينهم الفنان الدكتور هاشم سلمان، وفنانين وفنانات عراقيات إلى جانب مواقف متعددة مع أصدقائه المقربين وانا واحد منهم. وفنانين احتاجوا إلى الوقوف معهم في أوقات صعبة.وهنا لا نتحدث عن حجم المال، وإنما عن قرار الإنسان بأن يكون موجوداً عندما يحتاجه الآخرون.

ومن الأسماء التي تستحق الإشارة أيضاً. المايسترو وعازف الساكسفون وسام خصاف، وعازف العود صادق جعفر.هذان الفنانان، كما يعرفهما المقربون منهما، لا تكمن قيمتهما في موهبتهما الفنية وحدها، بل في تركيبتهما الإنسانية، وفي ذلك القدر الكبير من الطيبة والمحبة والوفاء.مواقفهما مع الأصدقاء والزملاء كثيرة،لاتعد ولاتحصى.كانت في الأفراح كما في الأحزان، وفي المواقف الصغيرة كما في الأزمات الكبيرة، تجد حضورهما أقرب إلى الفعل منه إلى الكلام.إنهما من أولئك الذين يمكن أن تسميهم، ببساطة، رجال المواقف.

فالإنسانية عندهما ليست مناسبة إعلامية، ولا صورة تنشر، ولا خبراً يبحث عن التصفيق، وإنما سلوك يومي يراه الأصدقاء ويعرفه المقربون.

ومن النماذج التي لا يمكن تجاهلها الفنان وليد الشامي.فقد عرف عنه في علاقاته الإنسانية مع أصدقائه وزملائه، الوقوف إلى جانب من يمر بموقف صعب، وغالباً ما يكون حضوره مبكراً، قبل أن يطلب منه أحد التدخل.والأجمل في مثل هذه المواقف أن المساعدة الحقيقية لا تحتاج دائماً إلى إعلان.

هناك من يساعد ثم يبحث عن الكاميرا، وهناك من يساعد ثم يبحث عن الخصوصية.

والفرق بين الاثنين كبير.فمن أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان أن يحفظ كرامة من يساعده، وأن يجعل المعروف بينه وبين الله وضميره، لا مادة للتفاخر أمام الناس.

ولهذا فإن مواقف وليد الشامي الإنسانية مع أصدقائه تستحق أن تُذكر بوصفها جزءاً من سيرته، لا بوصفها دعاية له.

*رصيد من المواقف

أما الفنان حاتم العراقي، فهو أيضاً من الأسماء التي ارتبطت في الوسط الفني بعلاقات إنسانية واسعة، ومواقف كريمة مع عدد من الفنانين والأصدقاء.ومهما اختلفت الأذواق في الفن، تبقى الأخلاق مساحة يتفق عليها الجميع.فالإنسان الكريم لا يُقاس بما يملك، وإنما بما يمنحه عندما يرى شخصاً آخر في حاجة إليه.ان الإنسانية الحقيقية لا تسأل دائماً: «ماذا سأحصل مقابل ما سأفعله؟»إنها تسأل سؤالاً واحداً:«كيف أستطيع أن أساعد؟»وهنا تصبح الشهرة مسؤولية، ويصبح النجاح قيمة عندما يتحول إلى منفعة للآخرين.والتاريخ كفيل بتسجيل الاحداث .

لكن الإنصاف يقتضي أن نقول إن الوسط الفني، كأي مجتمع آخر، يضم نماذج مختلفة.

هناك من تركوا وراءهم سجلاً من المواقف النبيلة، وهناك آخرون، رغم امتلاكهم القدرة المادية والمكانة الاجتماعية، لم تسجل لهم مواقف إنسانية تذكر.

ولا أقول ذلك للتشهير بأحد، ولا لأفتح دفاتر الخصومة، وإنما لأذكّر بحقيقة بسيطة:

الفنان لا يكتب تاريخه بأغانيه وأفلامه وأعماله وحدها. إنما يكتبه أيضاً بطريقة تعامله مع الناس وقربهم منهم تواصله من اصدقائه ولايتعالى عليهم كونه مشهور او يملك مال وفير . فالحليم من يتواضع ويتعامل مع الناس كواحد منهم مهما كان مشهور او زادت ثروته. فالثورة الحقيقية هو التعامل الانساني والخلق بتسجيل المواقف الشجاعه.فالكرم شجاعة وفروسية.

قد تنسى الأجيال أغنية، وقد يتراجع بريق مسلسل أو فيلم، لكن موقفاً إنسانياً صادقاً يمكن أن يبقى عشرات السنين.

التاريخ لا ينسى

في النهاية، ليست المشكلة في أن يكون الإنسان غنياً أو فقيراً، مشهوراً أو مجهولاً.

المشكلة أن يمتلك القدرة على فعل الخير ثم يختار ألا يفعل.

والأجمل أن يساعد الإنسان دون أن ينتظر الشكر، وأن يقف إلى جانب صديقه دون أن يسأل عن المكسب، وأن يحفظ كرامة من لجأ إليه.فالتاريخ، في نهاية المطاف، لا يهتم كثيراً بما قلناه عن أنفسنا، بل بما فعله الآخرون بنا وما فعلناه نحن بهم.ولذلك سيبقى اسم فريد الأطرش وعبد السلام النابلسي مرتبطآ بذاكرة الناس بموقف لم يكن فيه فريد أغنى ولا أقوى، لكنه كان أوفى. وسيظل كل فنان وقف إلى جانب زميله في محنته، أو دفع عنه ضيقاً، أو أنقذه من موقف، أو حفظ سره وكرامته، قد ترك في دفتر الحياة صفحة بيضاء لا تمحوها السنوات.

أما من عاش لنفسه، وأدار ظهره للآخرين رغم قدرته على مساعدتهم، فربما يصفق له الجمهور طويلاً، لكن التصفيق ينتهي.ويبقى التاريخ.التاريخ لا يحفظ الشهرة وحدها... بل يحفظ المواقف.وفي زمن يكثر فيه النفاق، وتصبح المجاملة أحياناً أرخص من الصدق، يظل الوفاء عملة نادرة.ولهذا، حين يسطع الوفاء في زمن النفاق، فإنه لا يحتاج إلى إعلان.يكفي أن تضيء مواقف أصحابه الطريق لمن يأتي بعدهم.

رحم الله من رحلوا من أهل الفن وأصحاب هذه المواقف، وحفظ الله من بقي منهم.فهم، قبل أن يكونوا فنانين، أناس تركوا خلفهم أثراً إنسانياً يستحق أن يُروى للأجيال.

 


مشاهدات 75
أضيف 2026/10/25 - 2:39 PM
آخر تحديث 2026/10/26 - 7:37 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 847 الشهر 51816 الكلي 16636985
الوقت الآن
الإثنين 2026/10/26 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير