الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
 من يحمي رأس اللاعب من أقدام العنف وشد الشعر ؟

← بواسطة azzaman

حين يتحوّل ملعب الكرة إلى ساحة إعتداء

 من يحمي رأس اللاعب من أقدام العنف وشد الشعر ؟

 

النجف- نجم عبد كريدي

في مشهد مؤلم وصادم، يتجاوز حدود المنافسة الرياضية، تداولت مواقع التواصل الاجتماعي مقطعاً مصوراً لمشهد قيل إنه شهدته إحدى مباريات الفرق الشعبية على ملعب الجوادين في العاصمة بغداد، ونشره عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

المشهد، بحسب المقطع المتداول، يُظهر تدخلين عنيفين بحق لاعب منافس، أعقبهما سقوط اللاعب أرضاً، قبل أن يُقدم اللاعبان الآخران على دعس رأسه وهو ملقى على الأرض! مشهد يثير الاستنكار، ويفتح أبواباً واسعة من التساؤلات عن أخلاقيات الرياضة، ومسؤولية المنظمين، وحدود العقوبات التي ينبغي أن تواجه مثل هذه التصرفات الخطيرة.

وهنا لا بد من التوقف طويلاً أمام حقيقة لا تقبل الجدل: كرة القدم منافسة وصراع على الكرة، وليست معركة لإيذاء المنافس، ورأس اللاعب ليس هدفاً لأقدام الغاضبين أو وسيلة لتصفية الحسابات داخل الملعب.

هل تكفي البطاقة الحمراء ؟

وصلتني تساؤلات عديدة من أصدقاء ومتابعين، بحكم عملي السابق في مجال التحكيم وخبرتي في تقييم أداء الحكام، عن العقوبة التي يستحقها اللاعبان رقم 2 و8 اللذان ظهرا في هذا المشهد، وهل يكتفي الحكم بإشهار البطاقة الحمراء المباشرة بوجه كل منهما، وما إذا كان الحرمان من مباراة واحدة كافياً، أم أن الحالة تستوجب عقوبات انضباطية أشد تتناسب مع خطورتها. وللإجابة عن هذا السؤال، ينبغي أن نميّز بين العقوبة التحكيمية أثناء المباراة، والعقوبة الانضباطية التي تصدرها الجهة المنظمة بعد المباراة. فالحكم، وفق قانون كرة القدم، ليس قاضياً يحدد عدد المباريات التي يُحرم منها اللاعب بعد الطرد، وإنما يتخذ القرارات التي يفرضها القانون داخل الملعب، ويُثبت الوقائع في تقريره، فيما تتولى اللجنة الانضباطية المختصة النظر في المخالفات وتحديد العقوبات الإضافية وفق اللائحة النافذة.

ماذا يقول القانون 12 ؟

يضع القانون 12 من قوانين لعبة كرة القدم، الخاص بالأخطاء وسوء السلوك، إطاراً واضحاً للتعامل مع العنف داخل الملعب. فالسلوك العنيف يتحقق عندما يستخدم اللاعب، أو يحاول استخدام، قوة مفرطة أو وحشية ضد منافس في غير حالة التنافس على الكرة، أو ضد زميل أو مسؤول أو حكم أو متفرج أو أي شخص آخر، حتى لو لم يحدث تلامس فعلي. كما ينص القانون صراحة على أن اللاعب الذي يتعمد، وهو ليس في حالة تنافس على الكرة، ضرب منافسه أو أي شخص آخر على الرأس أو الوجه باليد أو الذراع، يُعد مرتكباً للسلوك العنيف، ما لم تكن القوة المستخدمة ضئيلة للغاية.

أما إذا كان الاعتداء بالقدم، كما في حالة الدعس المتعمد على رأس لاعب ساقط، فإن الحكم يقيّم الفعل وفق طبيعته، والقوة المستخدمة، والظروف المحيطة به. وإذا ثبت أنه يمثل استخداماً للقوة المفرطة أو الوحشية في غير حالة التنافس على الكرة، فإن ذلك يدخل في نطاق السلوك العنيف الذي يستوجب الطرد. وإذا كان التدخل العنيف قد وقع أثناء التنافس على الكرة، فقد يُصنّف، بحسب تفاصيل الحالة، ضمن اللعب العنيف الخطير، إذا عرّض سلامة المنافس للخطر أو استخدم فيه اللاعب قوة مفرطة أو وحشية.

والأهم أن عدم وقوع إصابة ظاهرة لا يُسقط بالضرورة وصف السلوك العنيف؛ فالعبرة بطبيعة الفعل والقوة المستخدمة وخطورته، وليس فقط بالنتيجة التي انتهى إليها.

أما من الناحية الفنية، فإن المخالفة التي تستوجب ركلة حرة مباشرة تُعاقب بركلة جزاء إذا ارتكبها المدافع داخل منطقة جزائه، مع مراعاة شروط القانون وحالة اللعب. وإذا وقعت المخالفة والكرة خارج اللعب، فلا تُمنح ركلة حرة أو ركلة جزاء بسببها، ويُستأنف اللعب بالطريقة التي توقفت بها المباراة، وفق الحالة.

إشهار البطاقة الحمراء

هنا تكمن النقطة الجوهرية التي أرى ضرورة توضيحها للجمهور واللاعبين والمنظمين.

البطاقة الحمراء ليست نهاية القضية بالضرورة، بل قد تكون بداية للمساءلة الانضباطية.. فإذا ثبت ارتكاب اللاعب اعتداءً بهذه الخطورة، فإن اللجنة المنظمة أو اللجنة الانضباطية، متى كانت مخولة بذلك بموجب لائحة البطولة، تستطيع دراسة تقرير الحكم، ومراجعة التسجيلات المصورة والأدلة المتاحة، والاستماع إلى الأطراف المعنية، ثم فرض العقوبات الإضافية التي تسمح بها اللائحة.

وقد تشمل العقوبات، بحسب النظام المعتمد وجسامة المخالفة، الإيقاف لعدة مباريات، أو لمدة أطول في الحالات الجسيمة، فضلاً عن الغرامات أو غيرها من التدابير التي تجيزها اللوائح. أما القول إن اللاعب سيُحرم من مباراة واحدة فقط، فلا يمكن اعتباره قاعدة عامة تنطبق على كل حالات الطرد؛ إذ يتوقف ذلك على لائحة المسابقة، ونوع المخالفة، والعقوبات المقررة لها، وأي قرارات انضباطية إضافية تصدر بحق اللاعب.

ومن هنا، فإنني أرى أن الجهات المشرفة على البطولات الشعبية مطالبة بالتعامل بجدية مع مثل هذه المشاهد، وعدم اختزال مسؤوليتها في تسجيل نتيجة المباراة أو احتساب حالات الطرد، بل ينبغي أن تكون سلامة اللاعبين وحمايتهم من الاعتداءات أولوية لا تقبل المساومة.

لوائح الفيفا والاتحادات الكروية؟

من المهم هنا التفريق بين قوانين اللعبة ولوائح الانضباط؛ فقوانين اللعبة تحدد كيفية تعامل الحكم مع المخالفة أثناء المباراة، أما عدد المباريات التي يُوقف عنها اللاعب فتحدده اللوائح الانضباطية المطبقة على المسابقة والجهة المنظمة لها.

ولا يصح إطلاق رقم موحد للإيقاف في جميع البطولات، أو الجزم بأن كل اعتداء على لاعب يستوجب حتماً الإيقاف لسنوات أو الحرمان الأبدي من ممارسة الرياضة؛ فهذه عقوبات استثنائية لا تُفرض تلقائياً، وإنما تخضع لنصوص محددة وظروف القضية وصلاحيات الجهة المختصة.

وفي البطولات الشعبية تحديداً، ينبغي الرجوع إلى لائحة المسابقة نفسها لمعرفة الحد الأدنى للإيقاف، وإمكانية تشديد العقوبة، وآليات الاعتراض والاستئناف، فضلاً عن أي مسؤوليات أخرى قد تنشأ وفق القوانين النافذة.

ومع ذلك، فإن عدم وجود لائحة واضحة أو عدم النص على عقوبة كافية لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر للتساهل مع الاعتداءات الجسيمة؛ بل يجب أن يكون حافزاً لوضع أنظمة انضباطية أكثر وضوحاً وفاعلية قبل إقامة البطولات.

هل تشبه هذه الحالة ما حدث في الملاعب الأوروبية ؟

 

تساءل بعض المتابعين عن مدى التشابه بين ما ظهر في مقطع ملعب الجوادين، وحوادث أخرى أثارت الجدل في الملاعب الأوروبية، ومنها حادثة شدّ البرازيلي فينيسيوس جونيور شعر منافسه لاعب فيا ريال ناثان سليبا، وكذلك حادثة الاعتداء التي أُثيرت بشأن لاعب ريال بيتيس رقم 6، بيرنال، ولاعب برشلونة لامين يامال.

والإجابة المهنية تقتضي التمييز بين الحالات، وعدم وضعها جميعاً في خانة قانونية واحدة لمجرد أن كل واحدة منها تتضمن سلوكاً غير مقبول.

فشدّ الشعر قد يُعد سلوكاً غير رياضي أو اعتداءً يستوجب الطرد، بحسب طبيعة الفعل وظروفه، فيما يخضع الاعتداء الجسدي على منافس لتقييم القوة المستخدمة، ومكان التلامس، ووجود التنافس على الكرة من عدمه.

أما الدعس المتعمد على رأس لاعب ساقط، إذا ثبتت تفاصيله كما تظهر في المقطع المتداول، فهو فعل مختلف في طبيعته وخطورته عن مجرد شدّ الشعر؛ لأنه ينطوي على تعريض منطقة شديدة الحساسية في جسم الإنسان لأذى بالغ محتمل.

ولذلك، فإن المقارنة الصحيحة ليست في الاكتفاء بتشابه المشاهد، بل في تطبيق القانون على كل واقعة وفق تفاصيلها وأدلتها، ثم تقدير العقوبة الانضباطية المناسبة لها وفق اللائحة المختصة.

الفرق الشعبية ليست خارج القانون

قد يعتقد البعض أن مباريات الفرق الشعبية أقل أهمية من مباريات الدوري الممتاز أو البطولات الدولية، وأن ما يحدث فيها يمكن التعامل معه باعتباره مجرد انفعال عابر أو خلاف بين لاعبين.

لكن هذا الاعتقاد خاطئ وخطير؛ فسلامة الإنسان لا تختلف باختلاف الملعب، وحق اللاعب في ممارسة الرياضة بأمان لا يرتبط باسم البطولة أو حجم جمهورها أو قيمة جوائزها.

إن المسؤولية هنا مشتركة بين الحكم، والمنظمين، والمشرفين، وإدارات الفرق، واللاعبين أنفسهم. فالحكم مطالب بتطبيق القانون بحزم وحياد، والمنظمون مطالبون بتوفير بيئة آمنة ووضع لوائح انضباطية واضحة، وإدارات الفرق مطالبة بتوعية لاعبيها، فيما يتحمل اللاعب مسؤولية السيطرة على تصرفاته واحترام منافسيه.

وإذا ثبتت الوقائع التي أظهرها المقطع المتداول، فمن الضروري أن تتعامل معها الجهة المنظمة بجدية، وأن تحقق في الحادثة، وتتحقق من هوية المتورطين، وتستمع إلى الأطراف المعنية، ثم تعلن قراراً معللاً يتناسب مع ما يثبته التحقيق واللائحة النافذة.

#كلمة أخيرة: لا نريد أن نخسر إنسانيتنا من أجل مباراة!!

إن أجمل ما في كرة القدم أنها تجمع الناس، وتمنحهم الفرح والأمل وروح المنافسة، وتعلم الأجيال احترام الخصم وتقبّل الفوز والخسارة.

أما حين يتحول الغضب إلى اعتداء، وتتحول أقدام اللاعبين من وسيلة لصناعة الأهداف إلى أداة لإيذاء المنافس، فإننا نكون أمام مشكلة تتجاوز حدود النتيجة والبطاقات الملونة.

ومن موقعي الإعلامي والتحكيمي، أؤكد أن المطالبة بتطبيق القانون لا تعني الانتقام من اللاعب، بل تعني حماية اللاعبين جميعاً، وترسيخ مبدأ أن لكل فعل عواقب، وأن التساهل مع الاعتداءات الخطيرة قد يفتح الباب أمام تكرارها.

نريد ملاعب تُحسم فيها المنافسة بالأهداف، لا بالأقدام التي تدوس على الرؤوس. ونريد حكاماً يطبقون القانون، ولجاناً تتحمل مسؤوليتها، ولاعبين يدركون أن الخصم الذي يقف أمامهم اليوم هو شريكهم في اللعبة، وليس عدواً لهم.

فهل تتحرك الجهات المنظمة للبطولات الشعبية لوضع حدٍّ لمثل هذه المشاهد، وتؤكد أن سلامة اللاعب وكرامته فوق كل اعتبار؟

كرة القدم أخلاق قبل أن تكون نتائج، والبطاقة الحمراء قد تُخرج اللاعب من الملعب، لكن العدالة الانضباطية هي التي تحمي الملعب من تكرار الخطأ.

 

 

 

 

 

 

 


مشاهدات 35
أضيف 2026/10/21 - 2:57 PM
آخر تحديث 2026/10/22 - 1:11 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 141 الشهر 42172 الكلي 16627341
الوقت الآن
الخميس 2026/10/22 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير