الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حين تنتصر المحاصصة يضيع الأمل

← بواسطة azzaman

حين تنتصر المحاصصة يضيع الأمل

جواد العطار

 

عقد مجلس النواب العراقي يوم الخميس الماضي الموافق الخامس عشر من تشرين الاول ، جلسة مهمة لاستكمال الوزارات الشاغرة في التشكيلة الحكومية التي مضى على مباشرتها مهامها نحو خمسة اشهر تنفيذا للمادة (76 رابعا) من الدستور العراقي الدائم لسنة 2005 . وشهدت الجلسة التصويت على ثلاثة نواب لرئيس مجلس الوزراء ، وعدد من الوزراء ، من بينهم وزراء الحقائب الامنية ، فضلا عن استحداث وزارات جديدة وفصل وزارة السياحة عن الثقافة ، فيما بقيت وزارة الهجرة والمهجرين شاغرة الى جانب تأجيل حسم منصب نائب رئيس الوزراء المخصص للمكون الكردي للمرشح الدكتور فارس البريفكاني عن الحزب الديمقراطي الكردستاني ، دون الاعلان عن الاسباب.

تساؤلات جوهرية

للوهلة الاولى تبدو الامور جيدة؛ فقد اكتمل معظم التشكيل الوزاري ، وانتهت مرحلة طويلة من الخلافات والتأجيلات. لكن خلف هذا المشهد ، الذي قد يوحي بأن الامور تسير على ما يرام ، تبرز تساؤلات جوهرية وملاحظات بديهية عن طبيعة الاختيارات التي افرزتها الجلسة ومدى استجابتها لمتطلبات الاصلاح وتطلعات المواطنين.

ومن اهم الملاحظات اربع ، وهي:

اولا: جاءت الترشيحات مخيبة للآمال من حيث غياب الوضوح بشأن معيار الكفاءة والتخصص ، ومدى اعتماد مبدأ اختيار الشخص المناسب للموقع المناسب بعيدا عن المحسوبية والمنسوبية والاعتبارات السياسية والحزبية.

ثانيا: بدت المحاصصة حاضرة بقوة في مشهد توزيع المناصب ، وفق الانتماءات والمكونات والتفاهمات الحزبية ، فيما غاب المستقلون عن المشهد الوزاري ، بما يثير التساؤل عن جدية الحديث عن كذبة تجاوز المحاصصة وتقديم الكفاءات الوطنية.

ثالثا: اثارت بعض الترشيحات تساؤلات بشأن صلة القرابة والنفوذ السياسي ، ولا سيما مع وصول شخصيات ترتبط بعلاقات عائلية مع قوى وشخصيات نافذة الى مواقع حكومية عليا ، الامر الذي يعيد الى الواجهة اشكالية تغليب الاعتبارات الشخصية والحزبية على معايير الاستحقاق والكفاءة.

رابعا: استحداث اربعة مناصب نوابا لرئيس مجلس الوزراء حتى لو كانوا بدون رواتب ومخصصات مثلما صرح رئيس مجلس الوزراء نفسه للاعلام ، يطرح عديد التساؤلات عن شكلها المحاصصي اولا وجدواها في هذا الظرف المؤسسي ثانيا ، وإضافة وزارتين جديدتين لا ينسجم مع الواقع والازمة الاقتصادية التي يعيشها العراق بسبب ظروف الحرب والمنطقة ، ويتنافى تماما مع حاجة الترشيق الوزاري للجهاز الحكومي المترهل اصلا.

لقد كشفت هذه الجلسة ، جانبا مهما من حقيقة الخلافات التي رافقت استكمال التشكيل الحكومي؛ إذ ان طول مدة التأخير يطرح سؤالا مشروعا: هل كان جوهر الخلاف البحث عن الافضل لخدمة الدولة والمواطن ام ان تقاسم النفوذ والمناصب كان حاضرا بقوة في المفاوضات؟.

ان خطورة الامر لا تكمن في تأخر تشكيل الحكومة وحده ، بل في ان تتحول المناصب العامة الى غايات بحد ذاتها ، بدلا من ان تكون مسؤولية وتكليفا لخدمة المواطنين وتحسين حياتهم.

توزيع المواقع

وفي الوقت الذي يعاني فيه المواطن العراقي من اعباء المعيشة وارتفاع الاسعار ، نرى الساسة يواصلون التفاوض على المناصب وتوزيع المواقع في مشهد يعمق فجوة الثقة بين الشارع والقوى السياسية ، ويزيد من شعور المواطنين بأن اولويات السلطة تتقدم على اولوياتهم.

ان معالجة هذه الاشكالات لا تكون بمجرد تسجيل المواقف السياسية ، بل تتطلب تفعيل الرقابة البرلمانية اولا، واعتماد الكفاءة والاستحقاق في تولي المناصب العامة ثانيا، ومراجعة كلفتها وجدواها في ضوء الظروف الاقتصادية التي يمر بها العراق ثالثا، فضلا عن تعزيز الشفافية والمساءلة رابعا، وترسيخ مبدأ خضوع الجميع للدستور والقانون خامسا. فبناء الدولة لا يتحقق بتكاثر المناصب وتوزيعها على اساس النفوذ ، وانما بحسن ادارة مؤسساتها وتوجيه مواردها لخدمة المواطنين وتحقيق المصلحة العامة.

ان استكمال التشكيلة الحكومية ليس انجازا بحد ذاته ما لم يتبعه اداء كفوء ، وقرارات مسؤولة ، ومحاسبة حقيقية وتقديم للمصلحة العامة على المصالح الحزبية والشخصية. فالمواطن لا ينتظر اكتمال المناصب بقدر ما ينتظر حكومة تعمل من اجله ، وتخفف معاناته وتضع ثروات البلاد في خدمة ابنائها ، لا في خدمة اصحاب النفوذ والمصالح الضيقة... واذا كان الساسة يتداولون السلطة فيما بينهم ، وتتركز المناصب والنفوذ في ايدي قوى وعوائل محددة ، حتى يبدو المشهد وكأنه شكل من اشكال التوريث السياسي والاستحواذ ، فالسؤال الذي يفرض نفسه: لماذا اسقطنا نظام صدام اذا كنا سنسمح باحتكار السلطة وانتقال النفوذ من عائلة واحدة الى عوائل متعددة؟ واين الديمقراطية وتداول السلطة في كل ذلك؟ انها رسالة جادة الى الساسة ، عسى ان تصل ويتداركوا الوضع قبل فوات الاوان.


مشاهدات 15
الكاتب جواد العطار
أضيف 2026/10/19 - 2:37 PM
آخر تحديث 2026/10/20 - 1:03 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 168 الشهر 37833 الكلي 16623002
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/10/20 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير