الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
فسيفساءُ الشرق .. خطوط ألتماس وعقد المواطنة

← بواسطة azzaman

فسيفساءُ الشرق .. خطوط ألتماس وعقد المواطنة

كفاح محمود

 

 من جبال الأطلس إلى زاغروس، يعيش الشرق الأوسط على فسيفساءٍ واسعة من القوميات والأديان والمذاهب: كردٌ وأمازيغ وتركمان وأقباط، ومسيحيون وإيزيديون ودروز، وسنّةٌ وشيعة يتبادلون مواقع الأكثرية والأقلية بحسب الجغرافيا والسلطة، غير أنّ هذه الثروة البشرية تحوّلت، منذ نشوء الدولة الحديثة بعد الحرب العالمية الأولى، من مصدر غنى إلى خطوط تماس، لأنّ الدولة المركزية تعاملت مع التعدّد بوصفه خطراً على وحدتها، لا رصيداً لقوّتها؛ فرسمت حدودَها بالمسطرة، ثم طالبت الجماعات التي قسّمتها تلك الحدود بأن تنسى ما كانته قبلها.   لقد فشلت معظم دول المنطقة في بناء عقد مواطنةٍ عادل، فالدولة الريعية ربطت الثروة بالولاء، والدستور تجاهل المكوّنات أو حاصر هويّتها، والأمن المركزيّ خلط بين الوحدة والإنكار، فصار المطلوب من المختلف أن يذوب لا أن يشارك، ولذلك لم تكن أزماتُ الكرد والأمازيغ والمسيحيين والإيزيديين والدروز وألاقباط حوادثَ معزولة، بل نتائجَ طبيعية لدولةٍ لا ترى مواطنيها أفراداً متساوين، بل جماعاتٍ مشكوكاً في ولائها، وما جرى للإيزيديين في سنجار عام 2014، وفي نينوى للمسيحيين، وما تلاه من نزوحٍ طويلٍ وعودةٍ متعثّرة، يذكّر بأنّ حماية التنوّع ليست شعاراً أخلاقياً، بل شرطٌ لبقاء الدولة نفسها؛ فالتقارير الدولية ما تزال، بعد أكثر من عقد، ترصد معاناة الإيزيديين والمسيحيين وأقلياتٍ أخرى من آثار الإبادة والتمييز وضعف الحماية.

حل سحري

  وأمام هذا المأزق لم يعد الانفصالُ حلاً سحرياً، ولا الدمجُ القسريّ طريقاً إلى الاستقرار، فتجربة جنوب السودان أظهرت أنّ الاستقلال قد يُنهي حرباً لكنه لا يضمن دولة، واستفتاء إقليم كردستان عام 2017 كشف أنّ حقّ تقرير المصير يصطدم بتوازناتٍ إقليميةٍ ودوليةٍ قاسية. وفي المقابل أثبتت الفيدرالية، حين تُطبَّق بصدق، أنها صيغةٌ واقعية لتقليل دوافع الصراع، كما في تجربة إقليم كردستان العراق، على ما واجهته من ضغوط المركز وتقلّبات النفط.   والفارق بين التجارب ليس في الاعتراف وحده، بل في توقيته وطبيعته، فالمغرب أقرّ الأمازيغية لغةً رسميةً في دستور 2011، بقرارٍ سياسيٍّ هادئ سبق الأزمة ولم يأتِ بعدها، فخرجت الدولة أقوى لا أضعف، أمّا سوريا فلم تعترف بالكردية لغةً وطنية إلا هذا العام، بعد حربٍ ودماءٍ واتفاقٍ فُرض بالقوّة؛ والاعتراف الذي يأتي ثمرةً للهزيمة يبقى في الوعي الجمعيّ صفقةً لا قناعة، وفي العراق نصّ دستور 2005 على مجلسٍ للاتحاد يمثّل الأقاليم والمحافظات، ثم بقي حبراً على ورق عشرين عاماً، فبقيت الفيدرالية بلا ساقها الثانية، وفي مصر بدأت ثقافة المواطنة تطغي على الانتماءات الفرعية، اما في تركيا احتاج الأمرُ أربعين عاماً من الحرب وعشرات الآلاف من القتلى، قبل أن يُعلن حزب العمال الكردستاني حلّ نفسه، ويقرّ البرلمان قانوناً يمهّد لعودة مقاتليه؛ وكان يمكن لاعترافٍ مبكرٍ بالهوية واللغة أن يوفّر على البلدين، تركيا وكردها، ذلك الثمنَ كلَّه، فالقاعدة التي تتكرّر في المنطقة واحدة: ما تمنحه الدولة طوعاً في زمن السلم يُحسب لها، وما تُرغَم عليه بعد الحرب يُحسب عليها.

توزيع الحصص

  وثمّة فخٌّ آخر لا يقلّ خطراً: أن يُختزل الاعتراف بالجماعات في توزيع الحصص عليها، فلبنان اعترف بطوائفه حتى صارت الطائفةُ نفسها الوحدةَ السياسية، وصار المواطنُ عابراً بينها لا قائماً بذاته، فانتهى الاعترافُ إلى شللٍ دائم، الاعتراف بالتنوّع شيء، والمحاصصة شيءٌ آخر؛ الأوّل يحمي الفرد في جماعته، والثانية تحبسه فيها، والعراق نفسه قدّم مثالاً صارخاً على ذلك؛ فمقاعد الكوتا التي خُصّصت للمسيحيين والإيزيديين لتضمن صوتهم في البرلمان، صار بعضها يُحسم بأصواتٍ من خارج المكوّن، تحشدها قوى نافذة لتضيف إلى كتلها مقاعدَ باسم الأقليات لا لها، هكذا تتحوّل الأداة التي وُضعت لحماية التنوّع إلى وسيلةٍ لمصادرته، ويُحرم المكوّن الصغير حتى من حقّ أن يختار من يتحدّث باسمه.

  وفي إسرائيل الطامة الكبرى، في بلد يدعي انه الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط يعلن انه دولة دينية، يقتل فيها الانسان على هويته، ويطرد من ارضه ويتم استيراد مواطنين آخرين يستحوذون على أراضيه في مستوطنات عنصرية ودينية متطرفة.

ويبدو إزاء كل ذلك وتناقضات الواقع وتعقيدات الخرائط ان الحلّ الأكثر واقعيةً للشرق الأوسط هو مواطنةٌ متعدّدة المستويات: هويةٌ وطنيةٌ جامعة لا تُلغي الهويات الفرعية؛ وفيدراليةٌ مرنة لا تصير مقدّمةً للتقسيم؛ وعدالةٌ مالية تمنع المركز من استعمال الرواتب والموارد أداةَ ابتزاز؛ ومجلسٌ اتحاديٌّ يضمن تمثيل الأقاليم والمكوّنات في القرارات المصيرية؛ ومحكمةٌ دستوريةٌ مستقلة تفصل النزاعات قبل أن تتحوّل إلى أزماتٍ أمنية.

  ولا يكفي الاعتراف الدستوريّ ما لم ترافقه مناهجُ تعليمٍ وإعلامٍ تعيد كتابة الرواية الوطنية بروحٍ جامعة، لا بروح الغالب والمغلوب؛ ففي العراق ما يزال تلميذُ البصرة يقرأ عن حلبجة والأنفال سطراً عابراً إن قرأ، ولا يعرف تلميذُ أربيل عن أهوار الجنوب وتجفيفها إلا ما تقوله السياسة؛ وجيلان لا يعرف أحدهما جراح الآخر لا يمكن أن يتقاسما وطناً بثقة، فالمواطن الذي تُنكَر لغتُه أو ذاكرتُه لن يشعر أنّ الدولة دولته، مهما رفعت من شعارات الوحدة.

  إنّ محنة التنوّع في الشرق الأوسط لن تُحلّ بشعار «الأمّة الواحدة»، ولا بمشاريع التقسيم المفتوح، بل بدولةٍ تعترف بأنّ قوّتها في تعدّدها، وبأنّ الولاء لا يُفرض بالقوّة بل يُبنى بالعدل، والمنطقة اليوم، وهي تخرج من حربٍ أعادت رسم موازينها، أمام فرصةٍ نادرة لمراجعة هذا الإرث، قبل أن تملأ الفراغَ مشاريعُ إقليميةٌ جديدة تتّخذ من المكوّنات القلقة أبواباً للنفوذ، فوحدها المواطنة المتساوية قادرةٌ على تحويل الفسيفساء من قنبلةٍ مؤجّلة إلى جسرٍ للاستقرار والتنمية.

 


مشاهدات 14
الكاتب كفاح محمود
أضيف 2026/10/19 - 2:37 PM
آخر تحديث 2026/10/20 - 1:06 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 169 الشهر 37834 الكلي 16623003
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/10/20 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير