الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
خالد جبر.. تجربة تستحق التوثيق

← بواسطة azzaman

خالد جبر.. تجربة تستحق التوثيق

المرسم الصغير وحكاية إرث الأجيال

بغداد - جواد الرميثي

لم يكن الفنان التشكيلي والإعلامي خالد جبر بدر الدراجي مجرد رسام يحمل فرشاته ليخطّ بها الأشكال والألوان ، بل كان صاحب تجربة فنية وإعلامية ارتبطت بذاكرة أجيال من العراقيين ، الذين تعرّفوا إلى أبجديات الرسم من خلال برنامجه التلفزيوني الشهير (المرسم الصغير)، الذي فتح أمام الأطفال نافذة للتعبير عن أحلامهم وخيالهم ، وحوّل الشاشة الصغيرة إلى مرسم واسع تتلاقى فيه الموهبة مع البساطة والمرح . وُلد خالد جبر في مدينة الحبانية بمحافظة الأنبار عام 1954، ونشأ في بيئة اكتشف فيها مبكراً شغفه بالرسم ، حتى إن موهبته بدأت بالظهور وهو لم يتجاوز السادسة من عمره . ففي طفولته ، اتخذ من الأحجار وبقايا البطاريات أدوات بسيطة يرسم بها على قارعة الطريق ، في مشهد يعكس إصرار الطفل على ممارسة هوايته برغم محدودية الإمكانات ، ويكشف عن علاقة مبكرة بينه وبين عالم الخطوط والأشكال . ومن المحطات اللافتة في طفولته ، مشاركته في معرض فني مخصص للطفولة ، قدّم فيه لوحة للزعيم عبد الكريم قاسم . ووصلت رسوماته إلى معرض أقامته وزارة التربية عام 1962، برعاية عبد الكريم قاسم نفسه ، ما أتاح للطفل الموهوب فرصة لقائه والتحدث إليه . ووفقاً للمعلومات الواردة في سيرته ، ترك ذلك اللقاء أثراً مهماً في مسيرته ،  إذ تلقى تشجيعاً من الزعيم الذي عبّر عن أمله في أن يصبح فناناً للشعب ، كما منحه ديناراً واحداً من جيبه الخاص ، وأهداه صورة موقعة منه ما زال الفنان يحتفظ بها حتى اليوم ، بوصفها ذكرى شخصية ذات قيمة معنوية وتاريخية في بدايات رحلته الفنية . وتلقى خالد جبر تعليمه الابتدائي في مدرسة الحبانية الأولى الابتدائية في الحبانية ، ومدرسة التفاني الابتدائية في مدينة الحرية ببغداد ، ثم أكمل دراسته المتوسطة في متوسطة نقابة المعلمين في بغداد الجديدة .

وفي عام 1978، التحق بمعهد الفنون الجميلة في بغداد ، قسم الفنون التشكيلية ، فرع الرسم ، وتخرج فيه عام 1982 ، متتلمذاً على أيدي عدد من أبرز أساتذة الفن التشكيلي ، بينهم الفنانة الراحلة نزيهة سليم والفنان الراحل محمد مهر الدين ، إلى جانب أساتذة آخرين أسهموا في تطوير تجربته الفنية وصقل أدواته الأكاديمية . ولم تقتصر علاقته بالمعهد على سنوات الدراسة ، بل عاد إليه مدرساً في الدراسة المسائية لمدة عشر سنوات ، ليشارك في نقل خبرته إلى أجيال جديدة من الطلبة ، ويجمع بين الممارسة الفنية والتعليم ، في تجربة تؤكد أهمية التواصل بين الفنان والمؤسسة الأكاديمية . في الخامس عشر من حزيران عام 1985، بدأت حكاية (المرسم الصغير) على شاشة تلفزيون العراق ، القناة الأولى ، وهو البرنامج الذي أعدّه وقدّمه جبر بهدف تعليم الأطفال مبادئ الرسم بأسلوب مبسط ومحبب .

وتعود فكرة البرنامج، بحسب سيرته، إلى مقترح تقدم به عام 1985 إلى مدير تلفزيون بغداد ، بعدما رأى إمكانية تقديم برنامج تلفزيوني يعلّم الأطفال الرسم ويشجعهم على اكتشاف مواهبهم . ورغم أن الفكرة كانت جديدة وغير مألوفة آنذاك ، فإن الموافقة على تنفيذها أتاحت له أن يقدم تجربة مختلفة في المحتوى التلفزيوني الموجه إلى الطفل .

سرعان ما وجد «المرسم الصغير» طريقه إلى قلوب المشاهدين ، ولم يقتصر جمهوره على الأطفال ، بل امتد إلى الكبار أيضاً . فقد كان البرنامج يقدم الرسم باعتباره نشاطاً ممتعاً ومساحة للتعبير ، بعيداً عن التعقيد ، ويمنح الطفل فرصة لتجسيد ما يراه ويتخيله باستخدام الألوان والخطوط والأشكال .

ارتبط اسم جبر بهذا البرنامج ارتباطاً وثيقاً ، حتى أصبح جزءاً من ذاكرة الطفولة لدى كثير من العراقيين . فالأطفال الذين كانوا يتابعونه ويتعلمون منه في ثمانينات القرن الماضي وما بعدها ، صاروا اليوم شباباً ورجالاً ونساءً ، وما زال اسم «المرسم الصغير» يستحضر لديهم صوراً من أيام مضت ، حين كانت الشاشة تجمع العائلة حول برامج تحمل المعرفة والمتعة معاً .

ولعل ما ميّز هذه التجربة هو أن خالد جبر لم يتعامل مع الرسم بوصفه مهارة تقنية فحسب ، بل قدّمه باعتباره لغة بصرية قادرة على تنمية الخيال ، وتعزيز الثقة بالنفس ، ومساعدة الطفل على اكتشاف العالم من حوله . ومن هنا، اكتسب البرنامج مكانته في الذاكرة الثقافية والتلفزيونية العراقية .

إلى جانب عمله في الرسم والتلفزيون ، خاض جبر تجربة في الصحافة ، وكتب في عدد من الصحف العراقية ، جامعاً بين الحس الفني والاهتمام الإعلامي . وقد أتاح له هذا التنوع أن يتعامل مع الفن من أكثر من زاوية ، سواء عبر إنتاج اللوحة التشكيلية ، أو التعليم التلفزيوني ، أو الكتابة الصحفية .

وهو عضو في نقابة الفنانين العراقيين ، وجمعية التشكيليين العراقيين ، ونقابة الصحفيين العراقيين ، وجمعية الخطاطين العراقيين ، وهي عضويات تعكس تنوع اهتماماته واتصاله بعدد من الأوساط الفنية والإعلامية والثقافية في العراق .

كما شارك في معارض فنية عديدة داخل العراق وخارجه ، ووصلت بعض أعماله إلى هولندا وإنكلترا والولايات المتحدة ، في امتداد لتجربته الفنية خارج الحدود المحلية . وأقام خلال مسيرته ستة معارض فنية ، فيما تشير سيرته إلى حصوله على ثلاث شهادات دكتوراه فخرية.

إن استعادة تجربة خالد جبر لا تعني استذكار رسام عراقي فحسب ، بل تعني أيضاً التوقف عند جانب من تاريخ الثقافة التلفزيونية الموجهة للأطفال في العراق ، حين استطاع فنان أن يجعل من برنامجه وسيلة للتعليم والتواصل ، وأن يقرّب الفن من البيوت ، ويمنح الأطفال فرصة لاكتشاف قدراتهم الإبداعية .

لقد بدأت رحلة جبر بأدوات بسيطة على قارعة الطريق ، ثم انتقلت إلى قاعات معهد الفنون الجميلة ، ومنها إلى قاعات التدريس وشاشة التلفزيون ، لتصبح تجربته شاهداً على أن الموهبة حين تجد طريقها إلى التعلم والعمل والاستمرار ، يمكن أن تتحول إلى أثر يتجاوز صاحبه ويستقر في ذاكرة الناس .

ويبقى (المرسم الصغير) أبرز العلامات المرتبطة باسمه ، لأنه لم يكن مجرد برنامج لتعليم الرسم ، بل مساحة من الألوان والأحلام رافقت طفولة أجيال عراقية ، وأسهمت في جعل الفن أقرب إلى الأطفال وأكثر حضوراً في حياتهم اليومية .

خالد جبر.. فنان حمل الألوان من طفولته إلى شاشة التلفزيون ، وترك في ذاكرة العراقيين مرسماً لا تزال نوافذه مفتوحة على أحلام الصغار وإبداعهم .


مشاهدات 19
أضيف 2026/10/18 - 2:50 PM
آخر تحديث 2026/10/19 - 2:32 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 239 الشهر 35805 الكلي 16620974
الوقت الآن
الإثنين 2026/10/19 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير