الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
عند موقف الباص

← بواسطة azzaman

عند موقف الباص

هدير الجبوري

 

في ذاك المكان، عند موقف الباص، حيث كنت أقف أنتظر باص المصلحة، أو كما كنا نسميه «أمانة»، كانت الحياة كلها أمامي، الهواء خريفيّ، محمّل برائحة أوراق ذابلة، تسقط بهدوء كما تسقط الأحلام الصغيرة.

 كنت شابة صغيرة، لكن عنيدة، صاحبة شخصية، وكأنني أكبر من عمري بكثير، كانت النظرات تحدق بي، إعجاباً أو دهشة، لا أعرف! لكنني كنت أعرف طريقي، أو أتوهم ذلك.

هناك، على ذاك الرصيف الذي كانت تهب عليه ريح خريفية كل صباح، تقف هي أيضاً، شابة مثلي، لا تبتسم كثيراً، وفي عينيها شيء لم أفهمه في البداية. كنا نلتقي يومياً، كل واحدة منا تصعد في باص مختلف، لكن موقف الباص هو الذي كان يجمعنا.كانت تقف هناك، صامتة، لا ترفع عينيها كثيراً، لكنك إن نظرت جيداً شعرت أن جرحاً كبيراً يقف خلف نظرتها وكلماتها.

في أحد الأيام، بينما كانت شمس الخريف الخجولة تنعكس على الإسفلت الرطب، جمعتني بها المصادفة أكثر من مجرد نظرة.قلت لها بخفة:»صباح الخير».رفعت رأسها، وفي عينيها ارتباك، وقالت بصوت خافت:»صباح النور».

كان صوتها كمن يريد البكاء، كمن يجر خلفه غيماً من الأسى. كنت أود التعرف إليها، ربما لأن بعض الشجن كان يجمعنا.

قصتي تختلف عن قصتها، لكن هناك قاسماً مشتركاً... ربما هو الخيبة، أو شيء أشبه بذلك.مر الوقت، وبدأت أتعرف إليها أكثر، عرفت اسمها، وأين تعمل، وكنت أود لو تصبح صديقتي.

سألتها ذات مرة، ونحن ننتظر في صمت ثقيل:هل أنت بخير؟

قالت، دون أن تنظر إليّ:تعلقت برجل، ظننت أنه يهواني، كما فعلت أنا... سنين طويلة جمعت بيننا... لا هو يستطيع أن يغادرني، ولا أنا أستطيع أن أرحل عنه.

صمتها بعد الجملة كان أكثر إيلاماً من الكلام. تابعت وهي ترمق الشارع البعيد، حيث تتناثر أوراق الشجر وتدوسها الأقدام بلا مبالاة:بيننا أكبر من الحب نفسه... شيء كالاعتياد، أو أكثر، يمنعنا من الرحيل.

قلت لها برقة:هذا كثير... كثير على قلب واحد.

ابتسمت ابتسامة شاحبة، وقالت:أول جملة عن مفهوم العشق قلتها له، ولم يفهمها كما ينبغي، لكني عرفت بعد ذلك معنى أن يصبح الإنسان عاشقاً مقتولاً بأحلامه، خائباً مع خذلانه...

نظرت إليها بدهشة وشيء من الشفقة، فقالت بإصرار: أعشقه... ولا أستطيع أن أرى أحداً غيره. وسأمضي حياتي في هذا العشق مهما جرى، حتى وإن غادرني يوماً...

ومضت الأيام...وسنوات طويلة مرت، وغابت عن ناظري. ثم، في خريف آخر، وصدفة كأنها كُتبت في القدر، التقيتها من جديد. كانت قد تغيّرت، لم تعد كما كانت كبرت، وشاخت، وقتلها عشقها. ظلّت وحيدة، أما هو، فرحل إلى بلاد بعيدة، وانتهت الحكاية...لكن العشق لم يمت..

وتأكد لي أننا لا نحب الأشخاص فقط، بل نحب لحظاتنا معهم، أماكننا معهم، انتظارنا لهم... عند موقف الباص، لم أكن أنتظر الباص فقط، بل كنت أنتظر نفسي التي كنتها، وتلك الصديقة التي لم تصبح يوماً صديقة فعلاً، لكنها بقيت حكاية لا تُنسى في دفتر الذكريات. وهل للحنين مسار معين؟ لا، هو فقط يعود بنا حيث كنا أكثر صدقاً، أكثر وجعاً، وأكثر حياة…


مشاهدات 16
الكاتب هدير الجبوري
أضيف 2026/10/17 - 2:09 PM
آخر تحديث 2026/10/18 - 1:32 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 168 الشهر 33528 الكلي 16618697
الوقت الآن
الأحد 2026/10/18 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير