الدينار وإمتحان الدولة (3-3)
إرتفع العلم وإنخفضت العملة المحلية
كاظم نزار الركابي
يحمل العراقي ورقة نقدية عليها اسم دولته. يشتري بها خبزه، ويدّخر منها لمرض يخشاه، ويحسب بها ما يستطيع أن يعد به أبناءه. وحين تتراجع قيمتها، يعيد ترتيب حياته حول حاجات أقل. الدولة تملك قرار تعديل الرقم، وصاحب الورقة يتولى تعديل المائدة. وبين السلطتين، سلطة القرار وسلطة الاحتمال، يقف سؤال السيادة: من يملك ختم الدينار، ومن يتحمل مسؤولية ما يفعله هذا الختم بالناس؟
للسؤال جذور بعيدة. تأسس مجلس العملة العراقي في لندن عام 1931، وأدار الإصدار والاحتياطيات وربط الدينار بالجنيه الإسترليني. وفي عام 1949 أُلغي المجلس بعدما تسلّم المصرف الوطني العراقي مسؤولياته. انتقلت مؤسسة الإصدار إلى العراق، وبقي امتلاك شروط القرار امتحاناً يتجدد.
وفي 7 تشرين الأول 2026 بدأ العمل بسعر بيع للجمهور قدره 1520 ديناراً للدولار، مقابل 1320 سابقاً. دخل القرار حياة الناس من أبواب الأسعار والالتزامات والمدخرات. ومعه عاد السؤال أوسع من قيمة العملة: كيف تدير الدولة ضروراتها، ولماذا ينتهي الطريق الأسرع إلى معالجتها عند دخل المواطن؟
أرى ثلاثة أختام تضغط على الدينار: حاجة الخزينة في الداخل، والجغرافيا التي تعبرها عائدات النفط، والترتيبات المالية التي يمر بها الدولار. لكل ختم طبيعته، ولكل قيد جهة مسؤولة عن تخفيفه. وعندما تُجمع هذه القيود تحت عنوان الضرورة، يبدأ السؤال الذي تتحاشاه لغة الطوارئ: من يُحاسَب على دوام الضرورة؟
استقرار نقدي
يقع الختم الأول عند الحد الفاصل بين حاجة الحكومة إلى الإنفاق ومسؤولية البنك المركزي عن الاستقرار النقدي. جعلت المادة 103 من الدستور البنك مستقلاً مالياً وإدارياً، ومسؤولاً أمام مجلس النواب. لهذا الاستقلال وظيفة اجتماعية: أن تجد الرغبة في تمويل الإنفاق مؤسسة تحسب أثر الوسيلة على الأسعار والأجور والثقة بالعملة.
ويستقل البنك في القانون، ويضيق قراره مع ذلك باقتصاد لم تُبنَ بدائله. عندئذ تمتد المحاسبة إلى السياسات التي راكمت الالتزامات وأجّلت موارد تمويلها، حتى غدت القوة الشرائية للناس مساحة متاحة لتسوية الحساب. استقلال المؤسسة يحتاج إلى اقتصاد يمنحها خيارات، وإلى سلطة تتحمل مسؤولية الخيارات التي بدّدتها.
وفي 13 تشرين الأول، قال المدير العام لدائرة الإحصاء والأبحاث في البنك المركزي، سمير فخري نعمة، إن الاحتياطيات تستطيع تمويل الاستيراد لأكثر من سنة، وإن دعم مجموعة من السلع سيحدّ من أثر تعديل الصرف على الفقراء. هذا تفسير يستحق المناقشة بحساب منشور: أي سلع؟ ولمن يصل الدعم؟ ومتى؟ وما مقدار الكلفة التي تبقى على الأسرة بعده؟
الاحتياطي النقدي يختلف عن إيراد الخزينة، وكفايته لتمويل الاستيراد لا تعني زوال ضغط الموازنة. وهذا التمييز يرفع مستوى المسؤولية عن الشرح. من حق المواطن أن يعرف الحساب الذي رجّح القرار، والبدائل التي دُرست، والمعايير التي سيُقاس بها نجاحه. الطمأنة تكتسب قيمتها حين يستطيع الناس اختبارها في حياتهم.
وأعلن رئيس كتلة حقوق، سعود الساعدي، في 11 تشرين الأول تقديم طعن أمام المحكمة الاتحادية العليا بقرار مجلس الوزراء رقم 544 لسنة 2026 الخاص بخفض قيمة الدينار. ان الفصل في دستورية القرار اختصاص القضاء. أما المحاسبة العامة فتتناول كيفية استعمال الصلاحية، وتوزيع أعبائها، ومسؤولية من اتخذ القرار. فالمواطن يحتاج إلى معرفة من وقّع، وما الذي التزم به حين وقّع. وإلا دارت المسؤولية بين المؤسسات، واستقرت الفاتورة في بيت واحد: بيته.
ويضع الختم الثاني ضغطه من الجغرافيا. النفط في الحقل ثروة، وتحويله إلى إيراد يحتاج إلى منفذ ومشترٍ وتسليم. تمتلك الدولة البرميل، وتتأثر قدرتها على الانتفاع به بممرات وصراعات خارج حدودها. ومن هناك تصل الصدمة إلى الموازنة، ثم إلى أسرة بعيدة عن الساحل، تدفع كلفة اضطراب ممر لم تره في حياتها.
والصورة تتحرك. تحدث المسؤول نفسه في البنك المركزي عن تحسّن مرونة الصادرات، وذكر متوسطاً لعبور النفط خلال تشرين الأول يبلغ 2.5 مليون برميل. هذا التحسن المعلن يفتح سؤالاً ملازماً لأي قرار بُرّر بظروف استثنائية: ما شروط مراجعته عندما تتغير الظروف؟
تحسّن الصادرات وحده لا يحسم سعر الصرف الملائم. الحساب يشمل الإيرادات والالتزامات والاحتياطيات والتوقعات. ومن هنا تأتي ضرورة إعلان معايير المراجعة. حين تطلب الدولة من الناس تحمل كلفة طارئة، يقع عليها عبء شرح استمرارها. فالضرورة التي بلا معيار للمراجعة تستطيع أن تطيل إقامتها في دخل المواطن.
وتُقاس السيادة هنا بقدرة الدولة على بناء منافذ مجدية وموارد منتجة، وبما تنجزه فعلاً من تقليل الاعتماد. لكل مشروع كلفة وزمن وطاقة تشغيل، وهذه هي لغة الاختبار. الخريطة المزدحمة بالخطوط المقترحة لا تنقل برميلاً، والوعد بمورد جديد لا يسدد التزاماً حاضراً.
عائدات النفط
أما الختم الثالث ففي الطريق المالي الذي تسلكه عائدات النفط. أوضحت رويترز استمرار إيداع هذه العائدات في حساب البنك المركزي لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، ضمن ترتيبات تطورت عن صندوق تنمية العراق، وذكّرت بتلويح واشنطن عام 2020 بتقييد وصول بغداد إلى الأموال أثناء الخلاف بشأن الوجود العسكري. هنا تتصل السيادة بقدرة البلد على استعمال ماله حين يحتاج إليه. وحين تملك جهة أخرى قدرة تعطيل الوصول إلى المال، يدخل نفوذها في حساب القرار العراقي.
وجود الأموال في الخارج جزء من العمل المصرفي الدولي. موضع المحاسبة هو مقدار الاعتماد، وضمانات الوصول، والاستعداد لأي تعطل أو ضغط. فالمال العراقي يحتاج إلى إدارة تحميه، وعلاقات توسّع خياراته، وترتيبات تقلل هشاشته.
وتختلف الحماية من مطالبات الدائنين عن ضمان الوصول السياسي والعملي إلى الأموال. يمنح القانون الأمريكي حصانة خاصة لأموال البنوك المركزية المحتفظ بها لحسابها الخاص، مع شروط واستثناءات، منها التنازل الصريح عن الحصانة. لذلك يحتاج هذا الملف إلى دفاع قانوني ومصرفي محكم؛ فالانتقال المالي غير المحسوب يعرّض أموال الناس للخطر باسم حمايتها.
تلتقي الأختام الثلاثة عند مهمة واحدة: توسيع قدرة الدولة على الاختيار، وتحديد المسؤولية عن كل اختيار. بنك ينشر تقييمه، وحكومة تبيّن ما أصلحته في إنفاقها وما موّلته لحماية الناس، وبرلمان يسائل بالأرقام. وتُراجع النتائج في الاحتياطي والخزينة والسوق والبيت معاً. الفقير لا يملك احتياطياً موازياً ينتظر به تصحيح التقديرات.
بدأ الامتحان من الخبز، وبلغ ختم الدولة. وفي المسافة بينهما تتحدد قيمة السيادة: قدرة على حماية القرار، ومسؤولية عن أثره، وعمل يمنع تكرار الضرورة نفسها على ظهور الناس.
الدولة التي تؤجل بناء بدائلها تجعل المواطن بديلها الأخير. والسيادة تبدأ يوم تكفّ لقمة عيشه عن أداء هذه الوظيفة.