الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
تراث مسرح الدمى وانعكاساته على الثقافة التعليمية المعاصرة للأطفال


تراث مسرح الدمى وانعكاساته على الثقافة التعليمية المعاصرة للأطفال

حيدر علي الاسدي

 

يعد حقل ادب الاطفال واحدً من اهم الحقول المعرفية والجمالية في القرون المتأخرة ، نظراً لاتصاله بشريحة حيوية ، تعد اس بناء المجتمعات والمؤسسات والبلدان الساعية للتقدم ، ولذلك نجد الاهتمام بهذا النوع من الادب ومحاولة الارتقاء به تزايدت في السنوات الاخيرة ، ومن هذا الادب تتسع الفنون التي تتسم بالاستعراض والكلمة ومنها فن مسرح الدمى ، الذي يعد من اهم الاكتشافات التي تداخلت في مجالات التربية في عصرنا الحالي ، اذ انه من ابرز تمظهرات مسرح الطفل وانواعه كما يذهب لذلك عدد من المختصين والعاملين بهذا الحقل ويعد شكلاً من أشكال الدراما ومسرح الدمى فن شعبي تراثي قديم جداً ، يعود الى الثقافات الاسيوية القديمة وقد ازدهر بعد سقوط الاندلس بالتحديد نهاية القرن الثالث عشر وهو مسرح يعتمد على تحريك الدمى أو الكراكيز والماريونيت ، وهناك انواع لهذه الدمى ، فمنهم يتحرك بالعصا ومنهم بالقفاز واخرى يتم ارتدائها وغيرها من الانواع ولكنها كلها باطار الدمى، وقد ظهر هذا النوع في سالف الزمن عند المصريين القدامى ، ولدى والصينيين، واليابانيين (مسرح بونراكو) ولكن اليابانيين كانوا الاكثر حرفية وتطويرا لهذا النوع، وتشير مصادر اخرى الى ان مسرح الدمى والعرائس نشأ في الصين على هيئة تماثيل ولدت في عصور قديمة من بدايات حضارة الصين برؤى دينية أي ان تأريخها لم يكن بصورة منفصلة عن تاريخ المسرح الديني، أي كان يتم استخدام خيال الظل في طرح المفاهيم الدينية والقيم المتعلقة بالديانة هناك في الصين. اما في الهند فقد كان ظهور مسرح الدمى بهيئة مسرح شعبي حقيقي، وقد انتقل مسرح الدمى بواسطة التجارة والحروب الى مناطق عديدة مثل اليابان وجاوا ومن ثم الى روما القديمة إذ بدأت تنتشر في القرن الثالث قبل الميلاد ومنها انتشرت في اوربا فأتخذ شكلا كثيفا في القرنين السادس عشر والسابع عشر من خلال التنقل من الساحات العامة والأسواق الى البلاد الملكي وصار لمسرح الدمى والعرائس إشارات في كتاب المسرح المعروفين في تلك الحقبة.

وبالتالي اصبح لهذا النوع من المسرح حضوراً لافتاً وقبولاً واسعاً ، بحيث اصبح التعامل معه وتوظيفه من الامور التي يسعى لها الفنان ، والمشتغلين بهذا الحقل، وتوظيف حقول المعرفة والافكار كافة وصياغتها باطار هذا النوع المسرحي.وقد تحدث الباحثين عن اكتشاف لعب قديمة على هيئة دمى وعرائس كان يستخدمها الأطفال للتسلية والمتعة انذاك وهو ما تم ملاحظته على يدي بول مكفرلين  والذي اكد ان التنقيب في البلاد اليونانية والايطالية ادى الى اكتشاف دمى صغيرة ولها مفاصل تتحرك خلالها ، كما استخدم هذا الفن في بعض الاحيان من قبل التوجهات الدينية وخاصة الكنيسة فقد استغل الكهنة مقدار تأثير الدمى والعرائس في عملية جذب الانظار لها في محاولة لتلقين المواعظ الاخلاقية وتوظيفها من خلال ما يقدم عن طريق هذا النوع من المسرح لبث الخطاب الديني الخاص بالكنيسة الا ان هذا لم يدم طويلا وبعد فترة وجيزة حرمت الكنيسة هذا النوع من الفن المسرحي ليتجه العرض المسرحي الخاص بالعرائس والدمى الى موضوعات ذات صلة بالبطولات الشعبية والحكايات التراثية، اذ ان الطفل بوصفه انسان يعيش مرحلة النصاعة (تفكير خام) يكون ذهنه دائما متأهب للتلقي وخياله واسع وبالتالي يمتلك قدرة على التخزين وللدمية بالتأكيد سحرها الخاص الاخاذ اذ ما وظف في المسرح (والعرض) انما ينمي عنصر التخيل والتفاعل لدى الطفل ، وهذا يعني ان مفهوم الاستيعاب للأبداع يتصل بالمرحلة العمرية للطفل واتساع خياله لإمكانية التفاعل المرتبط بمخزونه الواعي وقدرته على التخيل والتفاعل سواء بشكل عقلاني او حتى عاطفي شعوري وهو ما يتعلق بالعمليات اللغوية الاتصالية التي يكتسبها الطفل من عملية التلقي هذه.اذ ان الاستثمار الديني للدمية الذي جاء عبر مفهوم (ثقافة الكنيسة) وادلجتها الدينية ، انما كان بداية امارات الدعوة اليها، فقد لاحظ الكهنة مقدار تأثير العرائس والدمى على جذب الناس نحو الكنيسة اذ حاولوا تلقين المتعبدين المواعظ الدينية لما امتلكوه من عقول في القدرة على بث المعلومة المراد ايصالها  لذلك سعت الكنيسة ضمن مواعظها لتوظيف هذه الدمى والعرائس عبر ما تقدمه من التمثيليات والقصص الدينية بهدف بث مواعظ الدعوة الى المسيحية وربما هذا الهدف يبتعد كثيراً عن وظائف مسرح الدمى الساعي بقوة الى بناء قويم (لثقافة ووعي الطفل) واكسابه بعض المهارات التنموية الهادفة لاعادة صياغة وعي الطفل وتغذيته بالمعلومات والمعارف والذوق عبر ما يقدم من مضامين وثيم فكرية من خلال مسرح الدمى.ورغم ذلك ففي ايطاليا كان مسرح الدمى من اهم مصادر التسلية للأطفال هي الارجواز وربما وظيفياً التسلية واللعب تعد مهمة جداً في بنية هذا النوع من المسرح ، ولكن شريطة ان لا تكون احادية ، لئلا نفسد الغاية من تقديم هذا النوع من المسرح ، ولئلاً يتحول للهو وتسلية ولعب سلبي وحسب ، يجب ان يتداخل اللعب ويوظف ضمن بنية درامية واضحة في هذا النوع المسرحي وخلق خطاب خاص يسعى لايصال الرسائل للاطفال عبر اجنحة (اللعب) (التسلية) (اشاعة الجمال) (التغذية المعلوماتية والمعرفية) (تنمية شخصية الطفل بمفاصلها كافة).كما اكتسب مسرح الدمى والعرائس العديد من المظاهر الايجابية في مقدمتها عرض اعمال كتبت اصلا للمسرح الآدمي وبذلك استطاعت ان تنال الشهرة  والالتفات لها من خلال الكتاب المشهورين والاعمال الادبية التي قدمت ولعل من ابرز هؤلاء المؤلفين هم : مولير، راسين ، شيلر، مارلو، جلدوني، شكسبير،وايلد، واخرين وبذلك فان مسرح الدمى لم يقتصر تقديمه على النصوص المسرحية العرائسية وحسب بل الامر تعدى ذلك اصلا ووظف النصوص التي كتبت للمسرح بصورته العامة، كما انشأ في القرن السادس عشر مسرح العرائس في كل من باريس ولندن وقد ازدهر هذا النوع في ايطاليا في البندقية بالتحديد مطلع القرن الثامن عشر بل الاكثر من هذا فقد قدم مسرح العرائس شوامخ الاوبرا العالمية  التي ألفها فنانون كبار امثال فاجنر،موتسارت،بوتشيني ، باسكاني، واخرين بل ان مسرح الدمى اليوم اصبح وسيلة تربوية تعليمية ذات فاعلية كبيرة يقدم من خلالها العديد من المعلومات والافكار سواء التربوية او الاخلاقية او حتى المتعلقة بمفاهيم الحياة التي تواءم مرحلة الطفولة.بينما تؤكد مصادر اخرى الى ان العراقيين هم اوائل من مارس فن الدمى ومنهم انتقل الى البلدان الاخرى عن طريق الاسفار والحروب والعلاقات التجارية اذ ان الفنان المسرحي والاكاديمي الراحل (فاضل خليل) في دراسة له بعنوان (تاريخ و تطور الدمى في العراق ) يؤكد ان العراق عرف الدمى  منذ آلاف السنين ، منذ ما يقرب من ثمانية آلاف سنة دلت على ذلك الدمى الطينية غالبا غير المفخورة و تمثل بعض الحيوانات و كذلك  بعض التماثيل ، أي ان  العراقيين الاوائل هم اول من عرف الدمى كما عرفها القدماء من المصريين والصينين والهنود واليونان، وهو الامر الذي يمثل جذور هذا الفن الضاربة في التقاليد الشرقية القديمة واثارها.ولكن تشير دراسات اخرى الى ان العراقيين كنوع من التخصص بالمعنى الدقيق كانوا قد تعرفوا حديثا على فن الدمى تحديدا في عام 1954 بعد زيارة مدينة الالعاب المصرية (اللونابارك) الى العراق وقدمت بعضا من العابها مما اثار اعجاب الجانب العراقي وجعلهم يحاكون تلك العروض القائمة على (القرقوز).اذ ما لا يقبل الشك بان مسرح الدمى ابلغ في التاثير في نفوس الاطفال من الممثلين الادميين وذلك لان حالة الانبهار التي تستحوذ على نفوس المشاهدين وعقولهم تجعلهم اكثر حساسية للتأثر بالعرض وهدفه، مع هذا فمسرح الدمى لم يعد يقدم من اجل الاطر التشويقية او الصياغات الفنية الجمالية وحسب وبخاصة على مستوى توظيفه في المناهج الدراسية الخاصة بالاطفال او المناحي التعليمية الخاصة بالطفل بصورة عامة ، وتوظيف القيم المتصلة بواقعنا الاجتماعي ومحاولة عكسها على الاطفال عبر توظيفها في بناء النصوص المقدمة بهذا النوع من الاعمال المسرحية ، فلم يعد المسرح وسيلة للتسلية فقط، بل أداة فعالة للتعليم والتوعية ونشر الأفكار وتدريس المواد التعليمية والمنهجية ونقلها للأطفال بأسلوب ترفيهي ممتع، اي ان تطويع مسرح الدمى ليكون اداة انما يشكل محاولات لزرع بصمة ترسخ لاثار متقدمة في سلوك الافراد ( الاطفال) فيما بعد ، وتشكل فرد صالح اجتماعياً ، وداخل منظومة الاسرة ، وبالتالي يتم ممارس الدور التربوي والعلمي عبر هذا النوع من المسرح الذي يحاكي المرحلة العمرية للأطفال ويتناغم مع سيكولوجية تعلمهم وتلقيهم المعلومات والمعرفة.


مشاهدات 52
الكاتب حيدر علي الاسدي
أضيف 2026/10/10 - 3:45 PM
آخر تحديث 2026/10/11 - 1:32 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 132 الشهر 18515 الكلي 16603684
الوقت الآن
الأحد 2026/10/11 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير