كردستان وجهاتُها الأربع
كفاح محمود
منذ منطقة الحظر الجوي عام 1991، عاش إقليم كوردستان ثلاثة عقودٍ ونصفاً في ظلّ مظلّةٍ أميركية لم تُكتب في معاهدة، لكنها كانت حاضرةً في حسابات كلّ من فكّر في الاقتراب منه، اليوم طُويت تلك المظلّة، وصار السؤال الذي ظلّ نظرياً طويلاً سؤالاً عملياً: ما الذي يحمي الإقليم حين لا يبقى في سمائه إلا ما يملكه هو، وقد تلقّى منذ أواخر شباط أكثر من ألف مسيّرةٍ وصاروخ، انطلق كثيرٌ منها من داخل العراق نفسه؟
والجواب لا يُقرأ في أربيل وحدها، بل في المحيط الذي يتبدّل حولها، وأوّله سوريا، فالاتفاق الذي وقّعه مظلوم عبدي مع أحمد الشرع في آذار 2025 قُدِّم يومها نموذجاً لاستيعاب الكورد سلماً في الدولة، لكنّ ما تلاه كشف أنّ ما كان يحمي «قسد» هو التوازن الذي صنعه الوجود الأميركي، لا نصّ الاتفاق، ففي كانون الثاني الماضي شنّت دمشق، بدعمٍ تركيٍّ وعشائري، هجوماً انتزع الرقة ودير الزور والحقول والمعابر وحاصر كوباني، ولم تتدخّل واشنطن إلا وسيطاً، ثم فُرض اتفاقٌ جديد يدمج المقاتلين أفراداً في الجيش، صحيحٌ أنّ الشرع أصدر مرسوماً يعترف بالكوردية لغةً وطنية، وأنّ قادةً من «قسد» صاروا ضبّاطاً كباراً، لكنّ عبدي أعلن في آب حلّ قوّاته واكتمال دمجها؛ أي أنه لم تعد في سوريا قوّةٌ كورديةٌ مستقلّة.
غير أنّ كوردستان العراق ليست شمال شرق سوريا، فالإدارة الذاتية هناك وُلدت من الحرب ولم يعترف بها دستور، أمّا الإقليم فكيانٌ اتحاديٌّ يقرّه دستور 2005، له برلمانٌ وحكومةٌ ومؤسساتٌ تجاوز عمرها ثلاثة عقود، ومقاتلوه ليسوا فرعاً لحزبٍ تعدّه أنقرة إرهابياً، هذه الشرعية هي رأسُ ماله الحقيقيّ، والسؤال: هل يُحسن استثمارها حين يغيب الحارس الخارجي؟ وقد ظهر وزنها في كانون الثاني نفسه، حين احتضنت أربيل لقاء عبدي بالمبعوث الأميركي، وعرض الرئيس مسعود بارزاني أن يكون ضامناً لما يُتّفق عليه؛ فالإقليم الذي يُطلَب وسيطاً لا يُعامَل ساحةً إلا إذا قبل هو ذلك.
خنق اقتصادي
فالخطر الذي يواجهه الإقليم اليوم لا يأتي من دمشق ولا من أنقرة، بل من المساحة الرمادية بين بغداد وطهران، فإيران التي خسرت مرشدها في الأيام الأولى للحرب، وتواجه حصاراً بحرياً يخنق اقتصادها، تحتاج أكثرَ من أيّ وقتٍ إلى ساحاتٍ تضغط منها، والعراق أقربها وأطوعها، والفصائل التي قاتلت إلى جانبها ما زالت تملك سلاحها، بعد أن أُرجئ موعدُ حصره بيد الدولة إلى حزيران 2027؛ أي أنّ الأميركيّ خرج قبل أن يُنزع السلاح الذي كان خروجُه أوّلَ مطالب حامليه، وحين تتحدّث حكومة علي الزيدي عن مرحلةٍ عنوانها السيادة، فإنّ امتحان تلك السيادة الأوّل هو منع هذه الفصائل من تحويل أربيل إلى صندوق بريدٍ بين طهران وواشنطن.
وفي المقابل تبدّل المشهد التركيّ على نحوٍ لم يكن متوقّعاً قبل عامين، فحزب العمال الكوردستاني أعلن حلّ نفسه، وأقرّ البرلمان التركيّ في آب قانوناً يمهّد لعودة مقاتليه، فتسقط تدريجياً الذريعةُ التي برّرت عقوداً من القصف في جبال الإقليم وقراه، وأنقرة التي ترى في أربيل شريكاً في النفط والتجارة لا تريد على حدودها الجنوبية إقليماً ضعيفاً تملأ فراغَه فصائلُ موالية لطهران، هنا تلتقي مصلحتان، وتولد فرصةٌ لم تكن متاحةً من قبل: أن تتحوّل الحدود الشمالية، التي كانت لعقودٍ مصدرَ تهديد، إلى عمقٍ يُسند الإقليم، إذا أحسنت أربيل إدارة هذا التقاطع دون أن تصير طرفاً في حسابات أحد.
ويبقى الطرف الأقرب: بغداد، والطريق إليها أوضح ممّا يُظنّ، فالإقليم الذي سلّم تصدير نفطه لشركة التسويق الوطنية لم يعد يملك ورقة الاستقلال الاقتصادي، ولا يحتاجها إن التزمت بغداد بالدستور في الرواتب والموازنة، والمطلوب أن ينتقل الطرفان من نزاعٍ على الرواتب إلى عقدٍ على الأمن، له بنودٌ لا شعارات: شبكةُ دفاعٍ جويٍّ اتحادية تغطّي سماء الإقليم كما تغطّي سماء بغداد، وغرفةُ عملياتٍ مشتركة في المناطق المتنازع عليها حيث تتربّص خلايا «داعش»، والتزامٌ معلن بأنّ أيّ اعتداءٍ على أربيل اعتداءٌ على الدولة يُلاحَق فاعلُه قضائياً، لا ملفٌّ يُحال إلى لجنة، فلا يُعقل أن تُترك أربيل وحدها حين يُقصف مطارها، ثم تُطالَب بإثبات الولاء.
لقد علّمت العقودُ الثلاثة الكوردَ أنّ الحليف البعيد يرحل حين تتبدّل حساباته، وعلّمتهم سوريا هذا العام أنّ ما لا يستند إلى دستورٍ ومؤسساتٍ وبيتٍ داخليٍّ موحّد يُعاد تشكيلُه بالقوّة عند أوّل منعطف، وكوردستان العراق تملك الدستور والمؤسسات، وقد وحّدت بندقيتها، وما ينقصها أن تُتمّ بها ترميم بيتها إدارةً وقراراً، وأن تحوّل جوارها من مصدر قلقٍ إلى شبكة مصالح، فالمظلّة التي رحلت لن تعود، والسؤال لم يعد:
من يحمي الإقليم؟
بل:
هل يستطيع أن يجعل أمنه مصلحةً لجيرانه جميعاً؟