الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الجزء الرابع من (بورتريه لذاكرة بيضاء)


الجزء الرابع من (بورتريه لذاكرة بيضاء)

علي الدليمي

 

«الصورة تختزل رواية.. هكذا فككها الروائي الجزائري رشيد بوجدرة الذي كتب رواية (التفكك) منطلقا من تبصر صورة شمسية لطفل صغير، راح يتأملها، ثم نراه وهو يقطعها إلى قطع صغيرة جدا، ليجعل من كل جزء منها محطة وقوف. والحياة محطات.. أجملها وأكثرها تأثيرا محطة الطفولة، فهي نقطة التقاء التاريخ في ماضيه وحاضره. وحالة تموجات لونية حسمت بلونين عانت منها الأجيال السابقة، ولا مفر منها. كما أن الطفولة هي أيضا حالة نقاء، وحالة رجاء.. الطفولة حاضرة في كل شيء نقوم به.. حتى أن فرويد ربطها برباط نفسي حكيم بدواخلنا، وجعلها الأكثر تأثيرا في مجريات حياتنا اليومية. إنها الصرخات الأولى بعد قطع الحبل السري ومغادرة الأرحام، إلى استنشاق أوكسجين الحياة على مدى ما تبقى من أيام. الأكثر من ذلك أن فرويد حكم على ميولنا الجنسية بأنها إسقاطات الطفولة أيضا لا غير، وهي إسقاطات ترسم خطوطها في منطقة اللاوعي..».

بهذه الكلمات الأثيرة قدم الكاتب د. كاظم المقدادي كتاب الصحفي المخضرم قحطان جاسم جواد المعنون «بورتريه لذاكرة بيضاء» في جزئه الرابع، والذي ضم ثلاثا وعشرين شخصية عراقية في جميع الأجناس الإبداعية، الكتاب صدر عن دار الكتاب للطباعة والنشر في بغداد، ليواصل مشروعا توثيقيا بدأه المؤلف منذ سنوات، ويصر فيه على أن الذاكرة البيضاء للعراقيين ليست بيضاء لأنها فارغة، بل لأنها نقية رغم كل ما مر بها من سواد.

مشروع قحطان جاسم جواد يتجاوز فكرة الكتاب التوثيقي العابر، ليستقر في منطقة البورتريه المركب، حيث الصورة الفوتوغرافية لا تكون للزينة، بل هي المفتاح، وكما فعل رشيد بوجدرة حين فكك صورة طفل ليكتب رواية، يفعل قحطان حين يبدأ كل بورتريه بصورة المبدع، ثم يعود به إلى الطفولة، إلى المدرسة الأولى، إلى الدهشة الأولى.

سيرة الجذور

تلك هي فلسفة الكتاب التي يلخصها المقدادي بدقة حين يربـــــــــــط الطفولة باللا وعي وبالصرخة الأولى، لأن قحطان لا يكتب سيرة مهنية جافة، بل يكتب سيرة الجذور، وفي تقديمه لمنهجه، كتب قحطان جاسم جواد: «جاء إنجاز الجزء الرابع من موسوعتنا (بورتريه لذاكرة بيضاء)، من حيث نشر صورة المبدع ابتداء، ثم الحديث عن طفولته ودخوله المدارس (من المرحلة الابتدائية وحتى آخر المراحل الدراسية)، وما رافق هذه الرحلة من ذكريات جميلة، وربما صعوبات ومحن أثرت في هذا المبدع وتركت آثارا ما زال بعض أصدائها باقيا لحد الآن. وبغية رسم صورة متكاملة عن شخصياتنا، كان لا بدّ لنا من وقفة مع إنجازاتهم على الصعد الإبداعية في شتى ضروب الثقافة والمعرفة، ولأنهم من أعلام البلد بدا لنا أن من الضرورة ذكر بعض ما قيل فيهم، وفي إبداعاتهم من قبل أدباء وفنانين ثمنوا جهودهم وأبانوا حجم منجزاتهم. وقد أغفلنا الجانب السياسي من حيوات شخصياتنا إلا عند الضرورة».

بهذا المنهج الواضح، يضع المؤلف لنفسه قواعد صارمة تحمي الكتاب من الانزلاق إلى السجال السياسي أو الاستعراض الصحفي.. هو يريد أن يرسم الإنسان المبدع في سياقه التكويني، لا في سياقه الحزبي، الطفولة، المدرسة، المحنة الأولى، الذكرى الجميلة، ثم المنجز، ثم شهادة الآخرين. هذه الثلاثية، الصورة والطفولة والشهادة، هي التي تمنح «بورتريه لذاكرة بيضاء» تماسكه عبر أربعة أجزاء.

ويضم الجزء الرابع نخبة من الأسماء التي شكلت المشهد الثقافي العراقي على مدى نصف قرن، ومن أبرزهم الفيلسوف الكردي مسعود محمد، والشاعر الكبير حميد سعيد، والروائي أمجد توفيق، واللغوي الكبير حارث عبود، والشاعر سعد جاسم، والشاعر والروائي سلام إبراهيم، والروائي صلاح الحمداني، والناقد والروائي ناطق خلوص، وعميد كلية الفنون في جامعة بابل الدكتور علي الربيعي، والشاعر كريم العراقي، والصحفية والقاصة سناء النقاش، والدكتور الناقد صباح محسن كاظم، إلى جانب شخصيات أخرى تغطي الشعر والرواية والنقد والفلسفة واللغة والصحافة.

إن صدور الجزء الرابع يؤكد أن مشروع قحطان جاسم جواد لم يعد جهدا فرديا، بل أصبح موسوعة وطنية تتصدى للنسيان.. في زمن تتآكل فيه الأرشيفات وتضيع فيه الصور، يأتي صحفي مخضرم ليقول إن الطريقة الوحيدة لحماية الذاكرة هي أن نعيد تركيبها قطعة قطعة، كما فعل بوجدرة، وأن نبدأ دائما من الطفولة، لأنها المحطة التي لا تخطئ.

 


مشاهدات 39
الكاتب علي الدليمي
أضيف 2026/10/10 - 12:16 AM
آخر تحديث 2026/10/10 - 1:23 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 114 الشهر 16444 الكلي 16601613
الوقت الآن
السبت 2026/10/10 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير