الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
تسلط التفاهة الرقمية


تسلط التفاهة الرقمية

سيف نايف

 

لم تكن الكلمة المكتوبة ونشرها عبر تاريخ البشرية مجرد اداة لمضيعة الوقت او ترفاً فكرياً يستعرض به المرء بلاغته بها ... بل كانت المعمار الفلسفي والهيكلي الذي اقيمت عليه الحضارات اذ كانت عملية النشر فعلاً محفوفاً بالمشقة والمسؤولية ... فالكاتب او المفكر حين كان يمسك بقلمه كان يدرك انه يمارس سلطة أخلاقية هدفها تشكيل وعي جمعي وبناء هوية ثقافية وضبط بوصلة السلوك الانساني.

كان سحر الكلمة القديم يكمن في ثقل حمولتها وعمق أثرها، فسياسياً كانت الكتب والمقالات الشرارة التي تطلق الثورات وتصوغ الدساتير وترسخ دولة القانون والعقد الاجتماعي، واقتصادياً كان الفكر المكتوب المحرك لترشيد السلوك التنموي وتوزيع الثروة، اما فكرياً وثقافياً فقد كانت المخطوطات والكتب المطبوعة بمثابة أوعية صلبة تحفظ فيها حكمة البشرية وتنقل عبرها القيم الاخلاقية التي تهذب السلوك البشري وتصنع مجتمعاً متماسكاً يقدر العقل والنقد والجمال ... وكان الكاتب في الماضي يزن كلمته بميزان الذهب لان رسالته كانت تقرأ لتحفر في الاذهان وتتحول إلى ميثاق سلوكي يدار به الفرد والمجتمع.

غير ان هذا المشهد المهيب للكلمة شهد انكساراً فلسفياً حاداً مع حلول العصر الرقمي اذ انهار الجدار الاخلاقي والفكري الذي كان يصطفي ما ينشر ليتحول (النشر) من فعل تثقيفي تنويري إلى مسرح مفتوح للعبث يمنح الصوت لمن لا صوت له، والضوء لمن لا يستحق إلا العتمة.

حين مجيء فكرة كتابة هذا المقال تذكرت ما قرأته في كتاب (نظام التفاهة) للفيلسوف الكندي الدكتور آلان دونو اذ يقول الفيلسوف بأن (مواقع التواصل نجحت في ترميز التافهين اي تحويلهم إلى رموز حيث صار بأمكان اي جميلة بلهاء او وسيم فارغ ن يفرضوا انفسهم على المشاهدين عبر عدة منصات تلفزيونية عامة هي غلبها منصات هلامية وغير منتجة لا تخرج لنا بأي منتج قيمي صالح لتحدي الزمان).

ان ما كتبه الدكتور دونو اوصلني الى قناعة تامة بأن الترميز ليس محض صدفة تكنولوجية بل هو انعكاس مباشر لبنية مجتمعية وسياسية جرى تفكيكها عمداً، فحين اتأمل الواقع العربي وتحديداً المشهد الاجتماعي العراقي أجد بأن التفاهة الشائعة على منصات التواصل ليست سوى عرض لمرض أعمق جذوره غارقة في الفساد السياسي والتردي الاقتصادي.

يعاني مجتمعنا اليوم تجريفاً منظماً لطبقته الوسطى ومؤسساته التنويرية، إثر عقود من الحروب والأزمات والنظم القائمة على المحاصصة والفساد الهيكلي فالنظام السياسي الفاسد لا يكتفي بالاستحواذ المالي بل يحتاج إلى (تجهيل منظم) لضمان استمراريته، لإدراكه التام بان الوعي الفكري هو التهديد الاكبر لوجوده، وهنا يلتئم حلف غير مكتوب بين الفساد السياسي وتفاهة النشر، فحين تفشل الدولة في تقديم أنموذج القدوة وتهمش العقول والكفاءات يتحول معيار النجاح في النظرة الجمعية من الانتاج والمعرفة الى الكسب السريع وجني المتابعين لتغدو التفاهة استراتيجية جماعية للبقاء والهروب من واقع اقتصادي وسياسي مأزوم، وبما اننا نحن نعيش في البيئة المشوهة لم نعد ننتظر مقالاً يبني دولة او يوجه سياسة بل أصبحت التغذية البصرية اليومية محكومة بسلوكيات تمعن في ابتذال الانسان بين استعراضات تنتهك الحياء العام يكتسب منها رخيص يتاجر بآلام المحتاجين وكرامتهم وتسليع صريح للأجساد في سبيل تحقيق ثراء فاحش وسريع.

إن هذه السلوكيات ليست تصرفات فردية معزولة، فبينما كان النشر قديماً يرفع وعي الافراد اصبحت المنصات الحديثة تهبط بالمحتوى ليناسب أدنى الغرائز، فما يحصل يمكن ان نسميه بانه (سلعنة الإنسان) فحين يتنازل الفرد عن قيمته وفكره وكرامته ليتحول إلى مادة استهلاكية تباع وتشترى بضغطات التفاعل يصبح ذلك عملية هندسة عكسية للقيم تستبدل الأخلاق الاصيلة بخوارزميات الانتشار وفي هذه المعادلة لا تعود الضحية مجرد ذوق عام يفسد بل الهوية الانسانية ذاتها اذ يقاس فيها قدر المرء بعدد المشاهدات، وتختزل إنسانيته في مدى قدرته على إثارة الجدل.

اذاً ... يكمن الفارق الجوهري بين عصر الكلمة الرصينة وعصر التفاهة الرقمية يكمن في الرسالة، فقديماً كان النشر يشكل رافعة تخرج الإنسان من ظلمات الجهل إلى نور المعرفة وتصنع مجتمعاً واعياً بذاته وبحقوقه محصناً ضد التضليل والفساد ... اما اليوم فإن طوفان المشاهد المبتذلة يعمل على تخدير العقول وتسطيح الفكر وغرس قيم الاستعراض والادعاء لتستبدل بذلك الحكمة بالمظهر والعمق بالسطحية والتنوير بالابتذال العاري.

اخيراً ... ان تفكيك شبكة التفاهة الرقمية واعادة الاعتبار لقيمة النشر والكلمة ليسا مجرد حنين عاطفي إلى الماضي بل هما ضرورة وجودية وأخلاقية وأمنية للمجتمعات وان مجتمعنا حين يترك لتغذية يومية من التفاهة يرفع فيها السطحيون إلى مرتبة الرموز فهذا مخاطره بهويته ومستقبله، لذا فهذا المجتمع يحتاج الى صدمة وعي ثقافية تعيد للتعبير وزنه وللكتابة رسالتها التنويرية كي لا يبقى المشهد الانساني رهيناً لسطوة الشاشات التي جعلت من اللاشيء".. كلاً شيء.

تدريسي في جامعة بغداد


مشاهدات 31
الكاتب سيف نايف
أضيف 2026/09/26 - 1:29 PM
آخر تحديث 2026/09/27 - 1:01 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 83 الشهر 45601 الكلي 16578121
الوقت الآن
الأحد 2026/9/27 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير