الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
إستحضار نظام التفاهة

بواسطة azzaman

إستحضار نظام التفاهة

علي الشكري

 

بين الرغبة في اخراج ما أكتظ به الصدر  وافراغ النزر اليسير مما جال في الخاطر والتعبير عما آل اليه  الواقع والتحذير من استمرار النهج، وبين الوقوف في طابور المتفرجين ممن قدموا الصمت على الحديث ومجارات الواقع على الوقوف في وجهه، استذكرت سجال محمود ومحمود،  العقاد الاديب وشكوكو المهرج، حين سأل صحفي العقاد أيكم اكثر شهرة انت أم محمود شكوكو ؟ فرد العقاد مين شكوكو؟  فوصل الحوار الى شكوكو  المونولجست الذي اعتاد الجمهور المصري على لقاءه بثياب المهرج، فرد قائلاً اتمنى أن ينزل العقاد الى الشارع ليقف على رصيف في ميدان التحرير وأقف انا على الرصيف الاخر وحنشوف مين الي حيجمّع حواليه الناس ومين الي جمهوره أكثر، فرد العقاد قولوا لشكوكو لينزل إلى الشارع ويقف على رصيف في ميدان التحرير وتنزل  راقصة وتقف على رصيفٍ ثان وحنشوف مين الي حيجمّع حواليه الناس ومين الي جمهوره أكثر . ويبدو أن حال بلدي وما آل اليه من انحدار وتدحرج راح يفضل المهرج على المثقف والغانية على الأديب والسارق على النزيه والمنحرف على الملتزم والوضيع على الشريف والطبال على رجل الدين والجاهل على العِالم، وبالقطع هي علامات التطور ومقدمات الازدهار ودلالات الصواب ومؤشرات التقدم !!!.

نسخة نهائية

والواقع أن استحضاري لخاطرة محمود ومحمود هو لقائي بأحد طلابي  ممن اشرفت عليه في الدكتوراه  بعد عام ونصف من مناقشة اطروحته وقد انقطعت عني اخباره وغابت عليه اتصالاته، عرفاناً منه بالجميل وتعبيراً عن امتنانه لإشرافي على اطروحته بالمجان حيث لا اتقاضى الأجر عن اشرافي أو تأليفاتي لاعتقادي انها زكاة العلم، وبعد أن القى الدكتور عليّ متفضلاً السلام باعتباره زميل المهنة ونظير الشهادة ومثيل التخصص، سألته هل انتهيت من اعداد النسخة النهائية لاطروحتك باعتباره ترفع عن احضار نسخة المشرف، فرد قائلاً وما حاجتي للنسخة النهائية فأجبت بعفوية لكي تركنها مع الكتب المنسية ان كانت لديك مكتبة، فكان رده الذي لو لم يكن كذلك لشككت بشخصه، المهم أنني حصلت على الدرجة واكملت المعادلة واحتسبت الشهادة لغرض الراتب والمخصصات، فتيقنت أنني اعيش في زمن التفاهة وأنني لا زلت اراوح في مكاني وقد توقفت بي عجلة الزمن حيث نشأت وترعرت وتتلمذت ودرست وأنني تخلفت عن الركب وعجزت عن مسايرة التطور ، إذ لا أزال أعيش زمن كان العلم فيه مقدس وحيث كنا متصوفين علم  وطلاب معرفة وباحثي حقيقة، ورحت اقارن بين زمان التخلف الذي عشناه ونحن في مرحلة الدكتوراه وبين زمن التقدم والانفتاح والانطلاق صوب المجد الذي تعيشه الاجيال القائمه حيث العلم الرخيص والشهادة المبتذلة ودكاكين العلم الاخذة بالازدياد، نعم نحن اليوم نعيش زمن التفاهة الذي عبّر عنه الكاتب  الكندي ( آلان دونو) في مؤلفه الرائع نظام التفاهة،  نحن نعيش في زمن يتصدى فيه الفاسد ويُمكن الفاشل ويتقدم السارق ويصدح فيه صوت المزور ويبؤ المتلون ولا يعلو صوت  فوق صوت من ترتمي في احضان من يدفع الاكثر، فقدحها مُعلا وقولها نافذ وتوسطها يحل العُقد ويُسير من وقفت مراكبه من اللصوص، وبالقطع أن هذه التقديمات هي سر  ما يشهد العراق من تقدم علمي ونمو اقتصادي وازدهار معماري ونهضة مدنية وسمعة دولية !!! واللافت أن الذاكرة لا تزال تستحضر اسماء الوطنيين بناة الدولة العراقية المعاصرة من الساسة والمفكرين والادباء والاطباء والمعماريين والقانونيين ، فقد كتبت الانامل الوطنية دستور هو الاكثر تطوراً سنة 1925 في وقت كانت فيه الاغلب الاعم من البلدان العربية محتلة مقهورة تنتظر الوقفة العراقية من اجل الاستقلال، فلم يكن لأحد أن  يزايد على الاديب  والنحوي واللغوي العراقي، ولا حديث يدور عن الطب إلا في العراق ، وحتى اليوم لا تزال بغداد عاصمة العمارة العربية مع كل الجراحات التي اثخنتها، ويشهد تاريخ العلم للعالِم العراقي بقصب السبق ولخريج الجامعة العراقية بالتميز ، وبالقطع أن كل التفوقات والتميزات والابداعات والتألقات لم تكن نتاج دكاكين العلم في بلدان الجوار  ولم تكن حصيلة مكاتب سرقة  الاطاريح والرسائل الجامعية ولم يكتب صفحاتها خريجو جامعات شح فيها العلم وندر فيها الأساتيذ ولم تشهد لها ساحات الابداع الا بالذم والنقيصة ، ويقيناً أن ساحات السياسة والتصدي آنذاك لم تفتح ذراعيها الا للوطني أو من كان نتاج المواقف الوطنية لا من سرق المال العام واثرى على حساب الشعب ، وبالتأكيد أن العراق لم يخلو آنذاك من الغواني وبنات الهوى ومن اتخذت من جسدها سلعة للتكسب ، لكن نطاقهن كان محصور  وميدانهن معروف ورواد مجالسهن مشخصون ، دون أن يكون  لهن التدخل بقرارات الأمن أو قطع الطرق أو قيادة الحراك الشعبي أو تكوين الرأي العام، وبالقطع أن كل هذه التقديمات ليس سعي لقدح أو دعوة لليأس أو رغبة في رسم صورة سوداوية، لكنها تطلع لأن يأخذ كل محمود مكانه وتعبير عن مرارة وتذكير بماضٍ تليد واستنهاض  لهمة ركنت الى السكينة، مغادرة الميدان لصالح الجاهل الذي شح عنده العلم، والفاسد الذي اغتنى من العبث بالمال العام والخائن الذي ارتمى في احضان الأجنبي بداعي الدفاع عن المذهب والطائفة والغانية التي راحت تتحكم بالاحرار، ففي العراق رجالات وفيه احرار ولا يزال العالِم فيه يبتكر والكاتب يبدع والفنان يفتن والطبيب يُنقذ والمعماري يُذهل والنزيه ينتظر  الدور .

 

 


مشاهدات 37
الكاتب علي الشكري
أضيف 2026/08/24 - 4:10 PM
آخر تحديث 2026/08/25 - 2:56 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 210 الشهر 31270 الكلي 16120974
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/8/25 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير