كلام أبيض
من باريس إلى قندهار
جليل وادي
من بين الأمور التي لفتتني في الحوار الذي دار بين الاعلامي حميد عبد الله في برنامجه التلفزيوني الشيق (شهادات خاصة) مع الشخصية القومية المعارضة للنظام السابق طالب البغدادي قول الضيف: ان المجتمع البغدادي في فترة الخمسينيات والستينيات كان مجتمعا ارستقراطيا يقلد المجتمع الغربي.
وقد توقفت عند هذا الوصف لأنني فهمت من سياق الحديث ان المقصود بالارستقراطية هنا ليس معناها التاريخي الذي يحصرها بطبقة النبلاء وعلية القوم وملاك الأراضي والعوائل المعروفة بنسبها، وانما معناها المجازي، أي مجموعة الخصائص التي كانت تميز جانبا من الحياة البغدادية آنذاك. وكأن المقصود بكلامه ان مجتمعنا كان متأنقا في مظهره، متحليا بذوق رفيع في سلوكه، منفتحا في أفكاره، متحضرا في عاداته وتقاليده، وهادئا ومتوازنا في تعامله، وحريصا على آداب التعامل مع الآخرين.
نعم، كانت في العاصمة طبقة يمكن وصفها بالنخبة الاجتماعية وفق المعنى الغربي للأرستقراطية، تضم وزراء وكبار الموظفين وملاك الأراضي وأصحاب المناصب الحكومية الرفيعة، لكن هذه الطبقة لم تكن واسعة بحيث يمكن اختزال المجتمع البغدادي فيها، ومع ذلك كان لبعض أفرادها حضور وتأثير، وربما اتخذ الناس من بعضهم نماذج للاحتذاء في السلوك والمظهر. لكن اللافت للنظر ان مظاهر الأناقة وحسن السلوك لم تكن حكرا على تلك الطبقة، بل كانت تظهر أيضا لدى شرائح اجتماعية واسعة من أبناء العاصمة، ويكفي تأمل الصور الفوتوغرافية التي بقيت لنا من تلك المرحلة سواء أكانت لعوائل في حياتها اليومية، ام لأشخاص ينتظرون مركبات النقل العام ام لزوجين مع أطفالهما في أحد شوارع بغداد ام لطلبة الكليات.
وقد توقفت مليا عند صورة لجمهور رياضي في ملعب الكشافة لمشاهدة مباراة لكرة القدم، اذ كان الجمهور من الشباب مختلطا بين الذكور ووالإناث بمظهر أنيق وجذاب، اذ ارتدى أغلب الشباب بدلات رسمية وربطات عنق، فيما عكست ملابس الاناث قدرا من الأناقة والذوق الذي كان سائدا، ويمكنكم المقارنة بين شباب الأمس وشباب اليوم في كل ما ينطوي عليه المعنى المجازي للارستقراطية .
ويذكرني ذلك بتلك المرأة الريفية التي أجبرتها الظروف الشخصية في ستينيات القرن الماضي على الانتقال الى العاصمة من قرية جنوبية نائية، كان مجتمعها شديد المحافظة، ومغلقا الى حد كبير على عاداته وتقاليده، ولم تكن نساؤه يزرن العاصمة الا في حالات الضرورة كالعلاج من مرض يتعذر علاجه في مركز محافظتهم، وحين وصلت تلك المرأة الى العاصمة، صدمها المجتمع البغدادي المختلف تماما عن البيئة التي نشأت فيها، فبدأت تقلد نساء العاصمة في أشياء كثيرة من الحذاء ذي الكعب العالي وحقيبة اليد الى ارتداء الملابس وفق الموضة السائدة.
لقد شكل المجتمع البغدادي في تلك المدة فارقا واضحا مقارنة مع مجتمعات العواصم العربية التي كان بعضها بعيدا عن الحراك والتحولات الثقافية التي يشهدها العالم، فمنذ مطلع القرن الماضي شهد مجتمعنا نقاشا متصاعدا حول التعليم والتحديث ومكانة المرأة، واحتدم فيه صراع ثقافي بين دعاة التحرر والتنوير والمتخلفين الذين يريدون العودة بالمجتمع الى الوراء، كالدعوة الى تعليم المرأة والمطالبة بحقوقها، ويكفي ان بولينا حسون أصدرت في مطلع ثلاثينيات القرن الماضي مجلتها النسوية (ليلى)، وفيها دلالة على حراك النسوة للتحرر والمساواة، ولكم أن تتأملوا حال المرأة الآن.
اذكر أيام زمان عندما يُطرق باب الدار لا يخرج رب البيت الى الطارق بملابس البيت اطلاقا، ولا يمشي في الشارع بملابس غير رسمية، بينما نرى اليوم كبارا وصغارا بالبرمودا وغيرها من المظاهر التي تعكس تراجعا واضحا في الذوق العام، وقد لا يتقبل البعض هذا الحكم، ويجادلني بأن معايير الذوق قد تغيرت .
بالمقابل نشأت خلال العقود الأخيرة اتجاهات اجتماعية ترى في مظاهر الحداثة خروجا عن الدين والقيم، وتنظر الى بعض مظاهر التحديث بوصفها فسقا وضلالا، بينما هي شديدة الاعجاب بأنماط متشددة في الملبس والسلوك بوصفها تعبيرا صحيحا عن الدين، وبتّ أرى تقليدا لما يجري في قندهار، وهذا ليس حكما على أهل قندهار ومدينتهم، بل استعارة لمظهر اجتماعي وثقافي . ومع ذلك أقول : ان الحضارة ليست في تقليد باريس او قندهار، بل في كيف نعيد ما افتقدناه من ثقافة الذوق العام. فالحياة تفقد جانبا من جمالها مع تراجع الذوق العام.
jwhj1963@yahoo.com