الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ذكريات

بواسطة azzaman

ذكريات

كامل عبدالرحيم

 

عندما اقتربت من مقهى أم كلثوم، لم أسمع (الحب كله) أو (أنت عمري)، كان صوت فيروز يغطي كل شيء وهي تغني (تذكر آخر مره شو قلتليفيك تظلي وممكن فيك تفلي) (زعلت بوقته وما حللتههيدا انتهملا انتهكيفك انته)…

تعمل ذاكرتي هذه الأيام مثل أمواج بحر على وشك النضوب، بحر متهالك وملوث يلفظ أحشاءه سأما وسقما. موجة متعبة قذقت لمخيلتي زبدا وربما ما يلبث في الأرض، أرضي بالطبع، أرضي المهجورة أو مينائي القديم، فارتسم محاطا بهالة من نور أبيض (أبو ميناء)، أبو ميناء لا يمكن اعتباره صديقا أبدا، فما بيننا زمالة عمل نافلة ومن الممكن أنها تطورت إلى تبادل السلام والتحيات لوهلة قبل وفاته، كل هذا قبل أربعين سنة ويزيد.

كنت نسيت ذكر أبي ميناء تماما، تماما، فكيف زارني طيفه بغموضه وكرشه الكبير وحزنه وسخريته أيضا؟ هناك ثقب ما، وأكاد ألامسه بيد أو أصابع تفرك التراب.

نهاية عقد السبعينات وأوائل الثمانينات أصبحت وكيلا للشركة الأفريقية، وهو عمل أقدمت عليه بكل هيبة المغامرة، وكان لهذه الشركة فرعان أو تجارتان، تجارة المواد المنزلية (ثلاجات وتلفزيونات وغيرها) والأخرى تجارة مواد الإنارة، وهو عالم واسع يبتدئ بمصابيح الإنارة ومآخذ توصيل الكهرباء ومفاتيحها وكذلك القابلوات والأسلاك وأشياء أخرى تكاد لا تنتهي.

بعد حصولي على الإجازة (وهو عمل محدد بشروط) نتردد على دائرة المبيعات فتقدم هذه قوائم المواد المتوفرة لديها والتي تعد بالمئات، فنقدم قائمة بالذي يريده (الوكيل)، وهذا صباحا، وفي منتصف الظهيرة نأتي لاستلام قوائم المواد بعد دفع أثمانها نقدا.

تلك الأيام، كان مقر الشركة يقع في شارع الرشيد في مبنى يقابل فندق تايكرس بالاس في منطقة السنك، وفي قاعة الانتظار يتم التعارف على بقية الوكلاء وحتى التخادم والبيع والشراء، ولم يكن أصحاب الصوت الأعلى هم أنفسهم أهم الوكلاء، بل وكلاء آخرون، يتميزون بالظرف وخفة الدم والفضول، وكان أحدهم أبو ميناء، قد يكون الأكبر سنا بيننا، بكرش عظيم وقميص أبيض ترهل ليتسع لجرمه الهائل، أبيض متسخ دائما، وجهه أحمر حفره حب الشباب وأشياء أخرى.

نسيت اسمه لكن لقبه (البغدادي)، وله أخوان، تشاء الأقدار أني أعرفهما أيضا، بصراحة، الآن فقط، وأنا أكتب انبثق في وعيي أخوه الثالث، الأصغر.

إني أتحدث عن ثلاث شخصيات لا علاقة لها بي مباشرة، لكنهم حضروا للزيارة أو المحاكمة وأجدني غير قادر على إهمال هذا الحضور.

لا يمتلك أبو ميناء دكانا يمارس تجارته فيه، أو هذا ما يبدو، يحمل حقيبة كبيرة ومتهرئة فيها نقوده وحاجيات أخرى، وقد تكون بين تلك الحاجيات قنينة عرق. لمحته مرة وأنا في طريقي لاستلام قائمتي منتصف الظهيرة، وهو يجلس في زاوية معتمة لإحدى حانات البيرة في حافظ القاضي، فالتقطت رأس الخيط.

لقد كان أبو ميناء بوهيميا على طريقته. حسنا، كان له على ما يبدو دكان في عقد النصارى، بل ودكان كبير أيضا يتخذه كمخزن يضع فيه بضاعته، لكن عمله الرئيسي شراء قوائم الوكلاء الآخرين ومن ثم بيعها.

كانت أيام وفرة وقتذاك، والشركة تستورد كل شيء، ومن بينها القابلوات الضخمة الناقلة للطاقة الكهربائية بالفولتية العالية.

حسنا مرة أخرى، حصل تقارب بيننا فأصبح يتوقف عند مكان عملي وعينه على الضفة الأخرى حيث يقع دكان يعود لأخيه، وكانا على خلاف وخصام. كان أخوه واسمه محمد صديقا لي بحكم الجيرة وزبونا من عملي السابق كبائع لبطاقات اليانصيب، وتجارته تختص بصنع وبيع ثريات الإنارة وما كنا نسميه (براكيتات) تزيين الضوء في البيوت والمكاتب.

كانت طبائع محمد مختلفة جدا عن أبي ميناء، فهو متدين وملتزم دينيا، وقد تكون خلافاتهما تعود لقضايا إرث.. فجأة مات أبو ميناء، وترك في نفسي حسرة وتساؤلا وغربة وجودية. وأنا أكتب، ظهر على هذا المسرح أخ ثالث لهما. هذا ليس مسرحا، هذه مصائر معلقة في فراغ الوجود، كيف اندثرت وكيف عادت هذا اليوم وقبله.

الأخ الثالث هو الأصغر، وهو مختلف عن الاثنين، شديد الوسامة والأناقة بقامة ممشوقة تليق بممثل هوليوودي، قد يشبه كريكوري بيك. عذرا، نسيت اسمه بشكل مطلق، لكنه دخل السوق بعد وفاة أبي ميناء ولم أصدق ما سمعته كونه أخاه.

دخل السوق برأسمال كبير، فيشتري ويبيع ويقيم الصفقات الكبرى، فذاع صيته وأصبح الجميع يستقبله، فأراه بطوله الفارع وأناقته اللافتة وهو يدخل محلات التجار كسفير ملكي، وكان يتحاشى النظر أيضا إلى تلك الضفة التي فيها دكان أخيه محمدوما هي إلا أسابيع حتى أقام لنفسه مكتبا في السوق بأثاث فاخر، وأصبح ملتقى للسماسرة والانتهازيين والتجار الوصوليين، لكن داء أخيه الأكبر استوطنه بقوة وحشية، فأخذ بالحضور ورائحة الخمر تفوح منه.

ومثل شهاب سريع في سماء عكرة كان مروره. أخذت أناقته بالتراجع، وإن ظلت فاقعة للأبصار، وفرغت حقيبته السمسونايت الراقية والتي امتلأت دوما برزمات النقود..قام بشراء بعض الصفقات الخاسرة، وبانت قلة خبرته ونفد رصيده. لم تجمعنا صفقة أو مجلس أبدا، وإن كنت أتمنى التعرف عليه، وفجأة اختفى من المشهد والسوق، وقيل بسبب شيكات من غير رصيد، وغاب أثره، غير أني سمعت بأنه يدير مكتبه التجاري في عمان.

لن أبرر لأحد كتابتي هذي أو اهتمامي بأطياف، ربما لم تهتم يوما لأمري أو هي أصلا عديمة الأهمية ظاهريا.

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 180 الشهر 40469 الكلي 16572989
الوقت الآن
الخميس 2026/9/24 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير