الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
التجزئة

بواسطة azzaman

التجزئة

محمد زكي ابراهيم

 

لقد أتى على أبناء العربية حين من الدهر، كانوا يلهجون فيه بذكر الوحدة، ويحلمون بقيامها، ويتغنون بمقدمها، شاملة كاملة، من المحيط إلى الخليج!.

وإن هي إلا عقود حتى خف هذا الشعور، واختفى من الوجود، ولم يعد ثمة من يفكر فيه، أو يتمنى حدوثه، بعد أن مني العرب بإخفاقات عديدة.

وتوارى زعماؤهم الكبار، ومفكروهم، وأدباؤهم عن الأنظار، وحل محلهم جيل جديد، كل همه الحفاظ على ما بيديه من أرض، وجل ما يرجوه أن يبقى بلده عصياً على الانهيار.

 أي أن التجزئة التي لم يرض عنها قادة التيار الوحدوي ورموزه، في منتصف القرن الماضي، باتت هي الوحدة التي لا يريدون لعراها أن تنفصم، ولحدودها أن تتآكل

بل إن هؤلاء الذين لم ترق لهم مشاريع وحدوية (إقليمية) مثل سوريا الكبرى، تضم أربعة أو خمسة بلدان، أصبحوا يتحسرون على وحدة أقطارهم، ويتمنون أن تحتفظ سوريا (الصغرى) بلحمتها، وتبقى عصية على التفكك والانقسام.

 في هذا العصر لم تعد الوحدة تعني اندماج بلدين أو أكثر في كيان واحد، بل البقاء ضمن الحدود المرسومة، وتجنب العودة إلى زمن الكيانات المجهرية، التي كانت قائمة في الماضي السحيق، وكل همها أن تغزو الجيران، وتسلب ما لديهم من متاع

إن فكرة الأمة الواحدة، كما يرى مفكرون كبار، لم تكن سابقة على وجود الملوك، الذين وطدوا أركانها. لأنها كانت محض قبائل متناثرة، تتنازع في ما بينها على الموارد، وتتكلم كل منها لغتها خاصة.

لكن الملوك أو الزعماء، استطاعوا أن يجمعوا شملها، ويوحدوا لغتها، مثلما حدث بعد البعثة النبوية، حينما حرم الغزو، وطغت لغة الحجاز على ما سواها، وظهرت للوجود أمة عربية ذات ملامح خاصة.

ومثلما حدث في فرنسا على يد لويس الرابع عشر في القرن السابع عشر الميلادي، حينما تركزت السلطة في (الأيل دي فرانس) حول باريس، وغدت لغتها هي لغة الأمة الفرنسية.

وفي بريطانيا حينما تكتلت مجموعة من الإمارات الصغيرة التي يعادي بعضها البعض الآخر، حول عائلة (ويسيكس) في القرن الحادي عشر الميلادي.

والأمثلة على ذلك كثيرة، بل إن اللغات التي تتحدث بها شعوب أوربا الآن، تبلورت على أيدي ملوك التيودور، والبوربون، والهابسبورغ، وسواهم، حينما تخلوا عن اللاتينية وفرضوا لهجاتهم الخاصة بدلاً عنها.

 كانت اللغة إذن، هي الأداة التي رافقت نشوء الدول، واستطاع الحكام، ورجال الدين، والمفكرون، أن يجمعوا بها شمل القبائل والإمارات المتناحرة، ويسبغوا عليها صفات الأمة.

لكن الغريب أن تحاول هذه القبائل والإمارات اليوم تدمير هذه الوحدة اللغوية، وتعود إلى ما كانت عليه قبل قيام الأمةالدولة، ويجهد رؤساؤها أنفسهم من أجل العودة إلى ما قبل التاريخ، ويجندون من أجل ذلك حشداً من السياسيين والشعراء والفنانين ووسائل الإعلام.

 يبقى أن الملك الذي كان يصنع الأمة في الماضي، قد اختفى هو الآخر، ولم يعد موجوداً، لقد رحل بعد أن أدى مهمته بنجاح، وترك هذه الأمة عرضة للانحلال والتشرذم، فقد كان هو وحده  الذي بعث الهمم، وأذكى المشاعر، وخلق الظروف المادية للاتحاد، وهو الذي حمل الناس على الشعور بالانتماء إلى بعضهم البعض، ونبذ ما كان يفعل أسلافهم قبل مئات أو آلاف السنين، وكانت وسيلته في ذلك اللغة الحية، لأنها هي وحدها التي تشد من أزر الزعيم الملهم، وتجمع الناس من حوله، وتخلق الأجواء الملائمة لانبعاث حضاري قائم على وحدة الصف، والأرض، والموقف، والمصير.

إن مثل هذا الأمر إذا ما تحول فجأة عن مساره، فإنه سيفعل العكس، ويجعل التجزئة قدراً لازماً، ونهاية محتومة.

 


مشاهدات 17
الكاتب محمد زكي ابراهيم
أضيف 2026/09/09 - 2:50 PM
آخر تحديث 2026/09/10 - 4:31 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 438 الشهر 15878 الكلي 16548398
الوقت الآن
الخميس 2026/9/10 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير