كوميديا سوداء.. أغلقي عينيك وفكرّي في إنكلترا
قاسم حسين صالح
في أواخر سبعينات القرن الماَضي ، عرضت في لندن ولعشر سنوات من دون انقطاع مسرحية بعنوان : (اغلقي عينيك وفكري في انكلترا)..خلاصتها، أن أحد اللوردات يدعو أحد شيوخ البترول الكبار(عربي طبعا) الى وليمة عشاء. وكان هذا اللورد رئيسا لمجلس ادارة شركة بترول كبرى. وعمالقة البترول ـ كما تعلمون ـ عمالقة السياسة في الوقت نفسه.
وعلى عادة الانكليز الذين يتمتعون بعقل استخباراتي حتى في الامور الاجتماعية ، يقوم اللورد بجمع المعلومات عن ما يحبه الشيخ من أكل وشراب ، والأهم عن مزاج الشيخ في النساء ، الذي أفادته المعلومات بأنه يحب الشقراوات ، و(جزعانه) نفسه من السمراوات.
وبأسلوب اللورد المهذب!، يلمّح لزوجته الى أن يكون بين المدعوات شقراوات (بموديلات) تناسب ذوق العربي في المرأة ، وأن تراقبه عن بعد وترصد نظراته. واذا استقرت على واحدة تعجبه فما عليها سوى أن تقوم بتقديمها وتترك له الفرصة ، فالعربي خبير بهذه الأمور ، واشطن من ابليس في سرعة الاقناع ، اقناع النساء طبعا ، فكيف اذا كانت فيه رائحة نفط أيضا!
وتجري أحداث المسرحية بين الويسكي الاسكتلندي المعتّق ، والسيكار الكوبي المعّفر ، والعطور الفرنسية التي تقدح زناد الغرائز...وشيخ البترول هو شيخ (القعدة) ، وسلطان زمانه ، يداعب هذه ويقرص تلك، ويغازل هذه، ويرفع الكأس لتلك من محترفات الغواية.
في المشهد الأخير من الفصل الثالث للمسرحية ، تمسك زوجة اللورد بذراع زوجها وتسحبه جانبا لتختلي به وقد اختلطت على وجهها علامات الدهشة والحيرة ، وهي تقول:
* جون ، هنالك مشكلة.
يرد عليها بسرعة : أرجوك ، لا أريد مشاكل هذه الليلة.
* ترد بانفعال تحاول السيطرة عليه : ليس قبل أن تسمعني.
- قولي ، ماذا؟
* هل تعرف من التي أعجبت الشيخ؟
- بالتأكيد أكثر من شقراء.
* أبدا ،أنا التي أعجبته! أنه يريدني أنا!.
يفتح عينيه على سعتيهما مندهشا ويقول:
- أنت ؟! لابد أنه مجنون.
يسكت للحظة ، وتتلاعب على وجهه انفعالات الدهشة والحيرة. ثم يقول لزوجته بكلمات تتعثر على شفتيه :
- حسنا حبيبتي ، اغلقي عينيك وفكري في انكلترا !
ويسدل الستار.
تذكرت هذا المشهد من المسرحية لدى مشاهدتي لتأليف الحكومات العراقية الاولى والثانية في زمنهما الديمقراطي!. فلدى استبطاني لأحداث حضانة الثانية التي استمرت تسعون يوما ، وما بعدها (2010) التي استمرت تسعة أشهر!، تراءى لي فيها ان الشيعي يريد ان يكون العراق له ، والكردي يريد ان تكون كلمته في العراق هي الاولى ، فكلاهما يريان نفسيهما ان ما وقع عليهما من ظلم لم يقع لأحد في الدنيا وان ساعة الحق قد حقّت ، وان عليهما ان لا يفرطا بفرصة تاريخية لن يجود الدهر عليهما ثانية بأختها. والسنّي يريد ان يكون العراق له ، فقد كانت السلطة فيه له ابّا عن جد ، وبريطانيا تشهد له بهذا الحق.والتركمان يريدون حصتهم ، والكلد والاشوريين، والمندائيين، والفيليين، والايزديين...والقاعدة تريد ان تقيم في العراق دولتها الاسلامية.
ومصيبة المصائب ، ان الشيعة على شيع ، والسنّة على فرق ، والكرد على فصائل ، والتركمان على جبهات ، والكلدواشوريين...ومن كان منهم بالأمس يرى السياسة بعبعا مخيفا صاروا فجأة سياسيين محترفين ، بعدد لا حصر له ، والعراق واحد فقط!. وتحار في الامر حتى لتصاب بالدوار وكأن ما يجري من احداث في العراق هو مسرحية من صنف ما بعد اللامعقول ، عنوانها ، وهو المعقول الوحيد فيها:
( اغلقوا عيونكم وفكروا بكل شيء...الا العراق! )