ثلاجة الموتى والتاهو
زيد علي الشمري
في رحلتي اليومية إلى عملي، داخل علبة السردين «كيا»، كنت أنظر من زجاج السيارة وأتصفح فيسبوك. ظهرت أمامي قائمة بأسماء متوفين، جثامينهم ما زالت في ثلاجة الموتى، لأن ذويهم لم يستلموها. توقفت عند المشهد.
ثلاجة الموتى... والتاهو.
ما أبعد المسافة بينهما، رغم أنهما يسيران في العراق نفسه. في الثلاجة، جسد إنسان ينتظر من يأتي ليحمله إلى قبره. وفي التاهو المكيفة، إنسان آخر يعبر الشوارع، وربما لا يعرف أن هناك عائلة لا تملك المال حتى لتدفن فقيدها.
هناك من يسأل: من سيدفع ثمن القبر؟ من سيحفره؟ من سيشتري قطعة الأرض؟ ومن سيدفع تكاليف الدفن؟ وهناك من يسأل: أي لون أختار للتاهو؟ وأي شقة أشتري في البرج الجديد؟
ثلاجة الموتى والتاهو...
الأولى تحفظ جسدًا لا يجد أهله ثمن دفنه. والثانية تحمل أناسًا قد ينفقون في يوم واحد ما يكفي لدفن عشرات الفقراء بكرامة. أنا لا أقارن سيارة بميت. أنا أقارن بلدًا فيه من لا يملك ثمن دفن ابنه، ببلدٍ فيه من يملك ما يزيد عن حاجته بعشرات المرات.
والأقسى من الفقر نفسه أن يصبح الفقر غير مرئي.
أن تمر التاهو بجانب المستشفى، ولا ترى الثلاجة.
أن تصعد إلى شقتك في البرج، ولا تعرف أن هناك أمًا عاجزة عن استلام جثمان ابنها.
أن تكون في العراق نفسه، لكنك تعيش في عراقٍ آخر.
ثم نسأل عن الكرامة.
هل الكرامة في أن تملك تاهو وشقة في برج؟
أم أن تملك القدرة، ولو بالقليل، على أن تدفن فقيدك بكرامة؟
ربما لا تكشف ثلاجة الموتى عن موت الفقراء فقط.
ربما تكشف عن موت شيء أكبر...
موت الشعور بأننا جميعًا أبناء بلد واحد.
ثلاجة الموتى باردة.
لكن المفارقة أن بعض القلوب اصبح داخلها ابرد من خارجها.
أكتب كمن يلقي حجرا ليحرك سكون العقول