فاتح عبد السلام
نرى أحياناً سياسيين ممن يحملون رتبة زعيم حزب، او كتلة، او ائتلاف، أو تحالف، يزورون نادراً بعض المدن، وفي مواسم سياسية او انتخابية او ترويجية معينة وترافقهم شعارات معهودة تجمع بين المقدس والمدنس. وتلك المدينة المعنية بالزيارة، مليئة بالمزابل والشوارع المنتهكة بسيول الشتاء والمتفسخة تحت حرارة الصيف، من دون تنظيم او لمسة بشرية يمكن ان تشعر بها. الارصفة لا تكاد تميزها عن الشوارع، والمباني العشوائية صارت هي القاعدة وغابت هوية المدينة الاصلية. ويمر موكب السياسي من شوارع محددة نحو بيت مسؤول او وجه عشائري متحالف، من دون أن يلتفت الى ما تعانيه هذه المدينة التي يتربع على مجلسها الإداري سياسيون عيونهم مفتوحة على تقاسم الامتيازات والغنائم، وكأنهم يمرون بأرض انتهت معركة الإبادة فيها تواً وبدأ وقت جمع الغنائم. يتحاشى السياسيون زيارة مدرسة ابتدائية أو أي مركز صحي من مستشفى الى مستوصف.
لم يشهد العراقيون زيارة لمسؤول أو زعيم سياسي صحبها اصلاح الحال ومشاريع حقيقية في تقديم النفع للناس في حي سكني أو قرية أو ناحية.
في النهاية، يكتب أيّ زعيم سياسي، من دون أن يدري، شهادة وفاته المعنوية وربّما الحقيقية في كل زيارة فاشلة. جميع الزيارات كانت فاشلة من وجهة نظر الشعب المنتظر للتغيير في واقعه الخدمي والمعيشي، وهي زيارات ناجحة من وجهة نظر منتفعين من صغار السياسيين المتطفلين الانتهازيين في كل مدينة او بلدة.
لو تتم الزيارات سرا لكان الشر أهون، فاذا ارتكبتم السيئة فاستتروا في الأقل، ولا تتباهوا وتفاخروا. وكأنكم تقولون للناس، هل ترون هذا الواقع الخدمي المتعب نحن نأتي لنطمئن على وجوده واستمراره، امعاناً في إهانة شعب، تقول الشواهد التاريخية انه خرج من مرحلة الغفلة والاستغفال، وانه لن يظل صابراً الى ما لا نهاية.
مرة سمعت عراقيا، يقول:
أعرف ان وعودهم كاذبة حين كانوا يزورون مناطقنا في أيام الانتخابات، ثم ينقطعون فجأة، واني ادعوهم لزيارة مناطقنا المتعبة بعد الانتخابات حتى لو كانوا سيطلقون أكاذيب جديدة، لأننا نريد ان نشعر ان هناك بشرا في مواقع السلطة يمكن ان نتواصل معهم حتى لو لم يكن للتواصل اية نتيجة.