كونوا القادة لمقابر الإشاعة
رشيد العجيل
في زمنٍ أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي أسرع من التفكير، وأصبح كل إنسان صحفياً ومحللاً وقاضياً ومؤرخاً في الوقت نفسه، بات من الضروري أن نتوقف قليلاً قبل أن نضغط زر «إعادة النشر». فليس كل ما يصل إلينا حقيقة، وليس كل خبر يستحق أن نكون جسراً لانتقاله إلى الآخرين.
إن من أخطر ما يمكن أن يفعله الإنسان بحق وطنه أو إيمانه أو مجتمعه هو أن يتحول، دون أن يدري، إلى أداة لنشر خبر غير موثق أو إشاعة مغرضة أو منشور يزرع الشك والكراهية والتشكيك. فقد يكون الكاتب مجهولاً، وقد يكون من خارج البلاد، وقد يكون صاحب مصلحة سياسية أو طائفية أو شخصية، بينما نتصور نحن أننا بمجرد إعادة النشر نمارس حرية الرأي أو ننقل «معلومة مهمة».
إن الإشاعة والخبر المسيء إلى الوطن أو الإيمان يشبهان الخلية السرطانية؛ فالخلية السرطانية لا تُنقل إلى بقية الجسد ولا تُترك لتتكاثر بحجة معرفة ما ستفعله، بل يكون العلاج في محاصرتها واستئصالها قبل أن تنتشر. وكذلك الإشاعة: يجب أن يتوقف انتشارها عند صندوق بريدنا أو هاتفنا، لا أن نتحول إلى خلايا ناقلة لها في جسد المجتمع والأمة.
فلنجعل صندوق بريدنا مقبرة للإشاعات، لا محطة لإعادة توزيعها.
ولتكن لدينا الشجاعة أن نضغط «حذف» بدلاً من «إرسال»، وأن نصمت عندما لا نعرف الحقيقة، وأن نعترف بأننا لسنا مضطرين إلى إبداء رأينا في كل حدث وكل قضية وكل خبر.
فقد اختلط اليوم الغث بالسمين، والحقيقة بالكذب، والتحليل بالمعلومة، والرأي بالتحريض. وفي هذا الزحام الإعلامي، لا يكون الإنسان العاقل هو الأكثر كلاماً، بل الأكثر حرصاً على التحقق. وليس من الحكمة أن نشارك في محاكمة الناس والأحداث والتاريخ اعتماداً على منشور مجهول أو مقطع مبتور أو عنوان مثير.
ومن أخطر ما يُستغل في هذا المجال إعادة فتح جراح الماضي وتحويل التاريخ إلى ساحة صراع دائم. لقد حوّل البعض التاريخ إلى صنم، وألبسوا الصراعات السياسية القديمة ثوب القداسة، وكأن المطلوب من أبناء هذا العصر أن يرثوا كراهية لم يصنعوها وأن يخوضوا معارك انتهت قبل قرون.
إن استدعاء الماضي ومحاكمته كل يوم لن يصنع مستقبلاً أفضل، بل قد يولّد كراهية جديدة يستثمرها تجار الطائفية والانقسام.
لقد عرف العراق عبر تاريخه الطويل صوراً حقيقية من التعايش؛ كان الناس جيراناً وأصدقاء وأصهاراً، تجمعهم الحياة اليومية والعمل والمصالح المشتركة قبل أن تأتي الحروب والصراعات والتحريض لتجعل من الاختلاف وسيلة للفرقة. ثم ظهر من وجد في انقسام المجتمع وتخندق الناس استثماراً مربحاً للسلطة والنفوذ.
ولهذا لم يعد التسامح بالكلمات وحده كافياً. نحن بحاجة إلى موقف قانوني واجتماعي وثقافي واضح ضد خطاب الكراهية والطائفية ونشر الإشاعات، بحيث تكون المسؤولية واحدة على الجميع؛ من صاحب التعليق العادي إلى السياسي وصاحب المنبر والشخصية المؤثرة.
لكن المسؤولية لا تقع على الدولة وحدها. فكل مواطن يستطيع أن يكون خط الدفاع الأول عن مجتمعه. يستطيع أن يرفض إعادة نشر الكراهية، وأن يرفض المشاركة في الإساءة، وأن يسأل قبل أن يصدق: من كتب هذا؟ وما مصدره؟ وهل أعرف الحقيقة كاملة؟ ومن المستفيد من نشره؟
لسنا مطالبين بأن نتفق على كل الأحداث، ولا أن نتبنى رأياً واحداً في كل قضية، لكننا ملزمون بأن نتفق على ألا يتحول اختلافنا إلى كراهية، وألا نسمح لشائعة أو منشور مجهول أن يهدم ما بناه المجتمع عبر سنوات.
إن الوطن لا يُحمى بالشعارات وحدها، والإيمان لا يُخدم بالصراخ والاتهامات، والمجتمع لا يقوى بتبادل الكراهية. القوة الحقيقية تبدأ من إنسان مسؤول يعرف متى يتحدث ومتى يصمت، ومتى ينشر ومتى يحذف.
كونوا قادةً في مقابر الإشاعة.
ادفنوا عندكم كل خبر لم تتأكدوا منه، وكل منشور يزرع الكراهية، وكل دعوة للطائفية والانقسام. لا تسمحوا لأنفسكم أن تكونوا جسراً تعبر عليه الأكاذيب.
فعندما نكون واعين ومسؤولين، وعندما نضع مصلحة الوطن والمجتمع فوق الانفعالات والانتماءات الضيقة، ستعجز كل القوى التي تريد اختراقنا عن إيجاد الثغرة التي تدخل منها.
فلنجعل من وعينا حصناً، ومن التحقق عادة، ومن صندوق بريدنا النهاية لكل إشاعة، حتى يبقى جسد الوطن والأمة سليماً من الخلايا التي تريد أن تنخره من الداخل.