وهم العاطفة في مجتمعات القسوة
عمار عبد الواحد
يتوهم كثيرون أنهم يعرفون الحب ويعيشون معانيه الحقيقية، بينما لا يعدو الأمر في الواقع أن يكون رغبة عابرة، أو إعجابًا بالمظهر، أو تبادلًا للمصالح والحاجات الشخصية تحت اسم هذا المفهوم الإنساني الجميل. وقد ينشأ هذا الخلط من جهل بمعنى الحب الحقيقي، وقد يكون مقصودًا لدى بعضهم لتحقيق غايات لا علاقة لها بالمودة الصادقة.
ولعل هذه الحالة تختصرها ببساطة كلمات أغنية عراقية شعبية تقول: «عمي يا حب»، وهي عبارة تحمل في طياتها شيئًا من الدهشة والسخرية من واقع أصبحت فيه المشاعر الصادقة نادرة، وكأن الحب فقد معناه الحقيقي.
وعندما نتأمل واقع مجتمعاتنا المعاصرة، بما تشهده من صراعات وضغوط اقتصادية واجتماعية، ومن مظاهر الظلم والقسوة، يراودنا شعور بأن القيم الإنسانية تتراجع تدريجيًا أمام سطوة المصلحة والمنفعة. فالمشهد اليوم يكشف عن أفراد يتنافسون على المكاسب أكثر مما يتنافسون على الرحمة والتكافل، حتى باتت العلاقات الإنسانية تعاني جفافًا عاطفيًا واضحًا.
ولا أقصد بذلك أن الحب قد اختفى تمامًا، فما زالت هناك قلوب تعرف الوفاء، وأسر تقوم على المودة والرحمة، وأشخاص يحافظون على القيم النبيلة رغم كل الظروف. لكن الحديث هنا عن ظاهرة آخذة في الاتساع، حيث أصبحت المادة في كثير من الأحيان تتقدم على الأخلاق، والمصلحة تتغلب على المشاعر.
ولعل أوضح صور هذا التحول ما نشهده في بعض الزيجات، التي لم تعد تُبنى على التوافق النفسي والاحترام المتبادل بقدر ما تُبنى على الحسابات المادية. فتحول الزواج، في بعض الحالات، من ميثاق إنساني قائم على المودة والرحمة إلى معادلة أقرب إلى مفهوم صفقة «ادفع وخذ». وبينما كان آباؤنا وأجدادنا يمنحون الأخلاق والسمعة الطيبة المكانة الأولى في اختيار شريك الحياة، أصبح المال اليوم، لدى شريحة من المجتمع، معيارًا يتقدم على كثير من القيم، مع التأكيد أن هذا الوصف لا ينطبق على الجميع.
ولعل أخطر ما في هذا التحول أنه لا يهدد العلاقات الزوجية وحدها، بل ينعكس على الأسرة بأكملها، وعلى تنشئة الأطفال، وعلى صورة المجتمع في المستقبل. فحين تتراجع القيم الإنسانية أمام المصالح، يصبح الحب استثناءً بعد أن كان الأصل، وتغدو العلاقات أكثر هشاشة، مهما بدت مستقرة من الخارج.