الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
شخصيات من بلادي.. يوسف ذنون

بواسطة azzaman

شخصيات من بلادي.. يوسف ذنون

أحد أبرز الخطاطين في العالم الإسلامي

صالح رضا

 

خطاط عراقي كبير، وباحث ومؤلف، وأحد أبرز أعلام الخط العربي في العراق والعالم الإسلامي.حين نتأمل مسيرة الحضارة العربية والإسلامية، نجد أن الحرف العربي لم يكن يومًا مجرد وسيلة للكتابة، بل كان فنًا قائمًا بذاته، حمل رسالة العلم، واحتضن القرآن الكريم، وزيّن المساجد والقصور والمخطوطات، حتى أصبح أحد أبرز وجوه الهوية الحضارية للأمة. وإذا كان العراق قد أنجب عبر تاريخه الطويل عمالقة في فن الخط العربي، فإن يوسف ذنون يبقى واحدًا من أبرز أولئك الذين أفنوا أعمارهم في خدمة الحرف العربي، كتابةً، وبحثًا، وتعليمًا، وتأليفًا.

ولد ذنون عام 1931 في مدينة الموصل، المدينة التي عُرفت بعراقتها العلمية والثقافية، والتي احتضنت على مر العصور العلماء والأدباء والخطاطين. وفي أزقتها القديمة ومساجدها ومدارسها، نما حبه للحرف العربي، حتى أصبح شغفه الأول، ولم يعد ينظر إلى الخط بوصفه مهنة أو هواية، بل رسالة حضارية تستحق أن يهبها عمره كله.

ومنذ شبابه أدرك أن الخط العربي بحر لا يبلغ غوره إلا بالصبر والتعلم على أيدي الكبار. فراح يدرس أعمال كبار الخطاطين، ويتأمل أسرار التكوين وجمال النسب ودقة الميزان، حتى اشتد عوده الفني، ثم توّج رحلته العلمية بحصوله على الإجازة في الخط العربي من شيخ الخطاطين في العالم الإسلامي حامد الآمدي عام 1966، وهي إجازة لا ينالها إلا من بلغ مرتبة عالية في الإتقان. ثم نال منه شهادة تقدير أخرى بعد سنوات، اعترافًا بتفوقه وتمكنه من مختلف الأقلام العربية، فكانت تلك الشهادة وسامًا علميًا وفنيًا رفع مكانته بين كبار الخطاطين.

ورغم تأثره بالمدرسة العراقية العريقة، ولا سيما بإبداع الخطاط الكبير هاشم البغدادي، فإن يوسف ذنون استطاع أن يصنع شخصيته الفنية المستقلة، فجمع بين أصالة القواعد وجمال الابتكار، وظل وفيًا للتراث دون أن يجمد عند حدود التقليد. وكان يؤمن أن التجديد الحقيقي لا يكون بهدم الأصول، بل بفهمها والارتقاء بها. امتلك ذنون قدرة نادرة على التعامل مع مختلف أنواع الخطوط العربية، فبرع في خط الثلث، والنسخ، والرقعة، والديواني، والكوفي، كما أولى الزخرفة الإسلامية اهتمامًا خاصًا، وعدّها شقيقة الحرف العربي، لأنها تكمل جماله وتمنحه بعدًا بصريًا يليق برسالة الفن الإسلامي.

ولم يتوقف عطاؤه عند كتابة اللوحات الفنية، بل امتد إلى ميادين البحث والتأليف، فكان من أبرز الباحثين في تاريخ الخط العربي.

وترك للمكتبة العربية مؤلفات أصبحت مراجع مهمة للدارسين والخطاطين، من بينها «الخط الكوفي»، «قواعد خط الرقعة»، و«مبادئ الزخرفة العربية»، و«الكتابة وفن الخط العربي: النشأة والتطور»، فضلًا عن مؤلفات تعليمية أخرى أسهمت في نشر الثقافة الخطية بين الأجيال الجديدة، وأصبحت معينًا لا غنى عنه لطلبة الفنون والخط العربي.

وكان يؤمن بأن مسؤولية الخطاط لا تقتصر على إنتاج اللوحات الجميلة، بل تمتد إلى حفظ التراث وتوثيقه. ولهذا انشغل بدراسة المخطوطات والكتابات الأثرية والنقوش الإسلامية، وساهم في إحياء كثير من الكنوز الفنية، مقدمًا بحوثًا ودراسات رصينة كشفت جوانب مهمة من تاريخ الخط العربي في العراق والعالم الإسلامي.

ولم يكن يوسف ذنون معلمًا داخل قاعة الدرس فحسب، بل كان مدرسة قائمة بذاتها. فقد تتلمذ على يديه عدد كبير من الخطاطين الذين حملوا علمه إلى مختلف المدن العراقية والعربية، وكان يوصيهم دائمًا بأن يحترموا الحرف العربي، لأن الحرف أمانة قبل أن يكون جمالًا، وأن الخطاط الحقيقي هو الذي يظل تلميذًا للحرف مهما بلغ من الشهرة.

ومن الأعمال التي بقيت شاهدة على إبداعه، كتاباته المتميزة في عدد من المساجد والمؤسسات، ومن أشهرها الآية الكريمة ﴿وقل رب زدني علمًا﴾ التي تزين مدخل جامعة الموصل، وهي كتابة أصبحت جزءًا من ذاكرة المدينة، يمر بها آلاف الطلبة كل يوم، فتستقبلهم كلمات القرآن الكريم بجمال الحرف وروعة التكوين، فتغرس في نفوسهم قيمة العلم منذ اللحظة الأولى.

لقد كان ذنون يؤمن بأن الخط العربي هو هوية الأمة، وأن الحفاظ عليه هو حفاظ على تاريخها وثقافتها. ولذلك ظل حتى آخر أيامه يكتب ويبحث ويعلّم، غير آبه بمظاهر الشهرة، لأن غايته كانت أن يبقى الحرف العربي شامخًا كما عرفه الأجداد.

وعندما يُذكر الخط العربي في العراق، يحضر اسم يوسف ذنون بوصفه واحدًا من أمناء هذا الفن، ورجلًا جمع بين الموهبة والعلم، وبين الإبداع والبحث، وبين الفنان والمؤرخ. وهي منزلة لا يبلغها إلا من كرّس حياته كلها لخدمة الجمال.

ولأن الفن التشكيلي يلتقي مع فن الخط العربي في عشق الجمال، فقد كان من الطبيعي أن يكون ذنون واحدًا من الشخصيات التي احتضنها مشروعي (شخصيات من بلادي)، لأنه لم يكن خطاطًا كبيرًا فحسب، بل كان رمزًا ثقافيًا حفظ للحرف العربي هيبته وأصالته. وحين رسمت بورتريهه، شعرت أنني أرسم وجه رجل عاش عمره بين المداد والقصبة والورق، حتى أصبحت ملامحه تشبه هدوء الحرف ووقاره، وتعكس صفاء الروح التي لا يعرفها إلا من أفنى حياته في خدمة الفن.

وفي عام 2021، رحل ذنون عن عمر ناهز تسعين عامًا، بعد أن ترك إرثًا علميًا وفنيًا سيبقى منارة للأجيال القادمة. وبرحيله فقد العراق والعالم العربي واحدًا من كبار حراس الحرف العربي، غير أن أعماله، ومؤلفاته، وتلامذته، ستبقى خير شاهد على حياة رجل نذر عمره للجمال والمعرفة.

رحم الله الأستاذ يوسف ذنون، فقد غاب الجسد، وبقي الحرف الذي خطه شاهدًا على موهبته، وبقيت مؤلفاته مرجعًا للباحثين، وبقي اسمه صفحة ناصعة في تاريخ الخط العربي. وسيظل حضوره حيًا في ذاكرة الثقافة العراقية والعربية، لأن المبدعين لا يرحلون ما دامت أعمالهم تنطق بأسمائهم، وما دام الحرف العربي يواصل رحلته في حمل رسالة الجمال عبر الزمن.


مشاهدات 23
الكاتب صالح رضا
أضيف 2026/08/04 - 2:31 PM
آخر تحديث 2026/08/05 - 4:03 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 254 الشهر 4751 الكلي 16094455
الوقت الآن
الأربعاء 2026/8/5 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير