الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
خان الخليلي بوابة القاهرة يسرق الأنفاس ويؤسر القلوب

بواسطة azzaman

مشاهدات من أرض الكنانة    (30)

خان الخليلي بوابة القاهرة يسرق الأنفاس ويؤسر القلوب

مقهى الفيشاوي شاهد على التأريخ وقبلة الملوك والمفكّرين

رعد أبو كلل الطائي

 

يقع خان الخليلي بحي الحُسين بقسم الجمالية، ويتمتع بجذب سياحي كبير، وهو سوق شهير في القاهرة، يزيد عمرهُ عن ستمائة عامٍ، ويشتهر بمزيجهُ الفريد من العمارة الإسلامية والمصرية، وسُمّيَ بهذا الأسم نسبةً لمؤسسه الأمير جهاركس الخليلي، أمير آخر السلطان المملوكي، الذي أنشأَ خاناً في هذا المكان، على أنقاض تُرب الخلفاء الفاطميين، وعلى الموقع السابق لتُربة الزعفران الفاطمية. وأصل الخليلي من مدينة الخليل الفلسطينية، ويُعدُ هذا السوق واحداً من 38 سوقاً كانت موزعة أيام المماليك على محاور القاهرة، وتنبضُ 600 سنة من التأريخ بالحياة، خلال الأزقة الصاخبة والحِرف التقليدية، والتجارب الثقافية الأصيلة في هذا السوق، وكلمة خان هي فارسية معناها فندق، وهو المكان المخصص لأستقبال التجار أيام زمان، وخان الخليلي يُعتبر من أقدم الأسواق عراقةٍ  في مصر، وهو من الأسواق التأريخية المعروفة في العالم العربي .

ويضُمُ بازار الخان متاهةً من الشوارع القروسطية الضيقة التي تصطف على جانبيها المحال التي تبيع كلُ شئٍ من المجوهرات الفضية والذهبية المصنوعة يدوياً، والفوانيس والصواني وأباريق الشاي النحاسية والبورنزية، والقُطن المصري، والمنسوجات التقليدية، إلى التوابل العطرة والخلطات العشبية، والهدايا التذكارية المصرية الأصيلة، وزيوت العطور والخُلاصات، وفن البردي والمرمر، والصناديق الخشبية المطعمة وأطقم الطاولة (النرد)، والمشغولات الجلدية من حقائب مصنوعة يدوياً وأحذية (بابوش)، ومحافظ من جلد الجِمال، والعِمارة نفسها ترويّ قصة القاهرة الإسلامية، بمبانٍ تتميزّ بالمشربيات التقليدية (الستائر الخشبية المنقوشة)، والمداخل المزخرفة والخانات التأريخية، ويعملُ فيها الحرفيون التقليديون، جنباً إلى جنب مع البائعين المصريين، ما يخلقُ أجواءً أصيلةً تأسرُ زوارهُ من أنحاء العالم كافة .

وفي ظل الحكم العثماني، توسع البازار توسُعاً كبيراً، وأصبح مركزاً رئيسياً لتجارة التوابل والسلع الفاخرة من أنحاء الإمبراطورية العثمانية، وقد أصبح الخان وبازارهُ جُزءاً من موقع القاهرة التأريخية المُدرج على قائمة التُراث العالمي لليونسكو، إعترافاً بقيمتهِ العالمية الأستثنائية، وتحتوي السوق على أكثر من 4000 متجر .

الأهمية الثقافية

يُمثل خان الخليلي أكثر من مجرد سوق، فهو شاهد حيّ على دور القاهرة بوصفها ملتقى الحضارات المتعددة لقرون طويلة، وكان مكاناً يلتقي فيه التجار الأفارقة والآسيون والأوربيون، ما خلقَ مزيجاً ثقافياً فريداً لا يزال يُعرّف هذه المنطقة حتى اليوم، بينما شهِدَ البازار صعود الأمبراطوريات وأفولها، وتكيّفَ مع الظروف الأقتصادية المُتغيّرة ونجا من أضطرابات تأريخية عديدة مع الحفاظ على طابعهِ الجوهري بوصفهِ مركزاً للتجارة والحياة المجتمعية، وتتميزّ ثقافة المقاهي في خان الخليلي مُتجذرةً بعمق في التقليد الأجتماعي المصري، وتعمل هذه المنشآت التأريخية ملتقياتّ مجتمعيةٍ ينخرط فيها السكان المحليون في نقاشات حيوية حول السياسة والأدب والحياة اليومية، وتُكمَّل طقوس احتساء القهوة أو الشاي، بألعاب الطاولة والدومينو، وألعاب الورق المصرية، ويقع مسجد الإمام الحُسين بن علي عليهما السلام في القاهرة القديمة في الحي الذي سُمّيَ بأسم الإمام الحُسين (حي الحُسين)، والذي يقع بجوارهِ خان الخليلي الشهير والجامع الأزهر، ومسجد الحُسين واحداً من أكثر مساجد مصر قُدسيةً، وقد أُنشئَ في عهد الخليفة الظافر بنصر الله عام 1154م .

رحلتي إلى الخليلي

وفي إحدى صباحات تموز، وددتُ زيارة خان الخليلي، فأنطلقتُ برحلتي نحو ظالتي من ميدان التحرير بعد أن صعدتُ سيارة أُجرة، ووصلتُ الخان الذي يقع في حي الجمالية بالقرب من مسجد الحُسين والأزهر، على أمتداد شارع المُعز الدين الفاطمي التأريخي، وبعد مسير عشرين دقيقة تقريباً، فإذا الخليلي (البازار) يقفُ شامخاً، وهو يمتد بِعُدة متاهات وشوارع ضيقة، وعلى جانبيه ترى مئات المتاجر المجاورة بعضها البعض، وهي تبيع كلُ شئٍ وما تتمناهُ، من المجوهرات المصنوعة يدوياً والمنسوجات التقليدية إلى التوابل العطرة والخلطات العُشبية والهدايا التذكارية المصرية الأصيلة، وزيوت، وفن البردي والمرمر، وصناديق الخشبية المُطعمة، وأطقم الطاولة (النرد)، والخانُ وبازارهُ، دليلٌ كاملٌ لبازار القاهرة التأريخي، ويتمتع بجذبٍ سياحيٍ كبير، فهوَ مُكتظٌ ويُعجُ بروادهِ من أجناس الأرض كافة، ومن المواطنين المصريين والسياح العرب والأجانب، وهم يقتنون ما طابَ لهم من احتياجاتهم، جولتي في البازار والخان لم يشمُل سوى نُزرٌ يسيرٌ من حواري وأزقة الخان، المترامية الأطراف، ثُم لاحَ أمام انظاري يافطة كبيرة لمبنى مقهى الفيشاوي، وأنا سابقاً سمعتُ عنها كثيراً، فدلفتُ إليها، واتخذتُ مقعدي في أحد اركانِها، فإذا بصوت الأسطورة الراحلة أم كلثوم تصدح بصوتِها الشجي، وألحان كلمات الأغنية، يدخل بدون أستأذان إلى عقلي وقلبي وروحي، فكانت أم كلثوم تُغني أنت عمري. تسلطنتُ حينها، ونقلتني إلى عالم الذكريات الحلوة، ومعالم الشباب والشقاوة (والفرفشة) .

مقهى الفيشاوي

ويقع مقهى الفيشاوي في أحد الأزقة الضيقة المتاخمة لمسجد الإمام الحُسين بمنطقة الأزهر، في قلب القاهرة الفاطمية، بمنطقة خان الخليلي، ويرتادهُ مزيج من المصريين والسياح العرب والأجانب من كل الجنسيات الذين يُبهُرهم جو المقهى الشرقي الخالص، بموائدهِ الخشبية المشغولة، ومقاعدهِ الأشبه بالأرائك العربية الوثيرة، والمرايا المُعلقة على جوانبهِ ذات الأُطر الخشبية المشغولة بالصدف، ورُغُمَ أن خان الخليلي أصبح مليئاً بعدد لا حَصرَ له من المقاهي، ذات المستويات المختلفة،. وبعضها يطلُ على مسجد الإمام الحُسين، والبعض الآخر يطلُ على شوارع رئيسية، إلا ان أحداً منها لم يستطع أن يُنافس الفيشاوي في شهرتهِ، حتى إنك تجد بعض المقاهي الأُخرى خاوية على عروشِها، وعُمالُها يدعون الزبائن للجلوس بشتى الطرُق، فيما قد لا تجد كُرسياً خالياً في الفيشاوي، وقد تضطر للأنتظار لبعض الوقت حتى تخلو أي مائدة، ويشتهر المقهى بالشاي الذي يُقدمهُ سواءٌ الأسود منهُ أو الأخضر، إذ يُقدم في أبريق معدني صغير، تفوحُ منهُ رائحة النِعناع، على مائدة معدنية صغيرة، كما تُـقدم فيه النارجيلة (الشيشة) بنكهات مُختلفة، وهو أكثر شيء يقبلّ عليه مرتادو الفيشاوي خاصةً من الأجانب .

تأريخ المقهى

وبدأ مقهى الفيشاوي ببوفيه صغير أنشأهُ الحاج فهمي علي الفيشاوي عام 1797م في قلب خان الخليلي ليجلُس فيه رواد خان الخليلي من المصريين والسياح، وأستطاعَ ان يشتري المتاجر المجاورة لهُ، ويُحولُها إلى مقهى كبير

ذات ثلاث حُجرات، أولى غرف المقهى غرفة (الباسفور)، وهي مُبطنة بالخشب المُطعم بالأبِنوس، وهي مليئة بالتُحف والكنب العربي المكسو بالجلد الطوبى، وأدواتها من الفضة والكريستال الصيني، وكانت مخصصة للملك فاروق، أخر ملوك أُسرة محمد علي، وكبار ضيوف مصر من العرب والأجانب، وثاني الغُرف أُطلق عليها (التُحفة)، وهي أسم على مُسمى، وهي مُزينة بالصدف والخشب المُزخرف والعاج والأربيسك، والكنب المكسو بالجلد الأخضر، وهي مخصصة للفنانين، أما أغرب الحُجرات فهي حُجرة (القافية)، وكانت الأحياء الشعبية في النصف الأول من القرن العشرين تتبارى كل خميس من شهر رمضان في القافية، عن طريق شخص يُمثلُها، من سماتهِ خفة الظل وسُرعة البديهة، وطلاقة اللسان والسُخرية، فكان يبدأ ثم يُردُ عليه زعيمٌ آخر يـُمثلُ حياً آخر، ويستمران في المنازلة الكلامية حتى يُسكتّ أحدهُما الآخرَ .

ومن أشهر رواد المقهى جمال الدين الأفغاني، والشيخ محمد عبده، والرئيس الجزائري الراحل بوتفليقة، والرئيس اليمني الراحل علي عبد الله صالح، والرئيس السوداني الراحل جعفر النميري، وعمرو موسى أمين عام جامعة الدول العربية الذي أصطحب معهُ عدداً من وزراء الخارجية العرب، كما قامت إحدى المحطات التلفزيونية الفرنسية بالتسجيل مع الدكتور بطرس غالي الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة بالمقهى، كما يحرصُ العالم المصري الحائز على جائزة نوبل الدكتور أحمد زويل على زيارة المقهى كلما كان في القاهرة لتناول  الشاي

الأخضر، ومن زبائن المقهى من الفنانين، أُم كلثوم، ومحمد عبد الوهاب، وعبد الحليم حافظ، وفريد الأطرش، وسميحة أيوب، وكمال الشناوي، وعزت العلايلي، وفاروق الفيشاوي، وليلى علوي، ومحمود عبد العزيز، ونور الشريف، وعادل أدهم، وأحمد زكي، ومحمد هنِيدي، ومُنى زكي، وحنان تُرك، وأحمد السقا، وأحمد حلمي وغيرهُم من الفنانين .

وفي ضوء ما تقدم أختتمُ فأقول :

سطعَ نجم منطقة خان الخليلي مع أصطحاب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نظيرهُ الفرنسي إيمانويل ماكرون في جولة بالسوق التجاري الشهير، الذي يُعدُ من أقدم الأسواق الشعبية في العالم، لتنتشر الصور التي تناقلتها وكالات الأنباء في العالم كلهُ، ويصبحُ السوق الآثاري حديث الناس، بخاصةٍ عندما نشرَ الرئيس الفرنسي منشوراً عن زيارتهِ على صفحات التواصل الأجتماعي الخاصة بهِ . يُذكر أن الخان هو مبنى على شكل مربع كبير، ويحيط بفناء يـشبه الوكالة، فيما تضُم الطبقة الوسطى منهُ المحلات أما الطبقات العُليا فتحتضن المخازن والمساكن، وتروي الحكايات التأريخية إنهُ بعدَ مقتل الخليلي في دمشق، أزالَ السلطان المملوكي قنصوه الفوري الخان، وأقامَ مكانهُ وكالات ودكاكين للتُجار، فأكتسب المكان طابعٌ   تأريخيّ مُحلى بآثار المماليك، وكان كرنفال الزائرات والزائرين لحي خان الخليلي يتداخل مع ملابس مزركشة رصها أصحاب الحوانيت كنوع من العرض والأغراء والجذب على واجهة المحلات، وتتدلى مئات وربما آلاف (السبح) داخل فترينات العرض، أو في أيدي صبية صِغار يعرضونَ أنواعاً شتى من السبح، بعضُها مصنوعٌ من بذر الزيتون والبلاستك، وتُسمى نور (الصباح)، وبعضُها الآخر ينتمي لفصيلة الفيروز والمرجان والكهرمان والقصر، ومنها ما يُصنع من خشب الصندل، وإن السبحة كما يقول أحد الصناع المهرة، تُصنع على آلة يدوية صغيرة ودقيقة أسمها (المخرطة)، وفي المحلات الصغيرة المتلاصقة أبدع التجار في رصّ المشغولات الذهبية والفضية والنحاسية .

ويُذكرُكَ مشهد هذهِ المحلات بأسواق تركيا التي تُسمى (البازار) والتي تحتل شوارع تقع في مدينة (أسطنبول) وعلى ما يبدو فإن السياح الأجانب يحرصون على شراء المشغولات الفضية، لكن السياح العرب يحبون الذهب، مما دفعَ أصحاب محلات الذهب والفضة يزحفون محلاتهم من شارع الصاغة الشهير، إلى خان الخليلي بحثاً عن ال(زبون) رفيع الذوق، يُقدرّ ما بين يديهِ من نفائس.


مشاهدات 32
الكاتب رعد أبو كلل الطائي
أضيف 2026/08/01 - 12:52 AM
آخر تحديث 2026/08/01 - 1:54 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 112 الشهر 112 الكلي 15999817
الوقت الآن
السبت 2026/8/1 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير