الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
كاظم المقدادي المعرفة قوة..والصحافة هي الحياة..

بواسطة azzaman

من بغداد التي صنعت شغفه بالصحافة الى باريس التي فتحت أمامه ابواب المعرفة

كاظم المقدادي المعرفة قوة..والصحافة هي الحياة..

هدير الجبوري

 

هناك أشخاص يكتبون الخبر، وآخرون يكتبون تاريخ المهنة نفسها، والاعلامي الدكتور كاظم المقدادي يبدو واحداً من هؤلاء الذين لم يكتفوا بمراقبة تحولات الإعلام، بل حاولوا أن يستبقوها بالفكرة والرؤية، وأن يتركوا بصمتهم في كل محطة مرّوا بها.

بين بغداد وباريس، وبين قاعات الدرس وصفحات الصحف وشاشات التلفاز، تشكلت تجربة امتدت لعقود، لم تفقد خلالها انحيازها الأول للكلمة، ولا احتفاظها بروح ساخرة ترى الحياة من زاوية مختلفة، حتى في أكثر لحظاتها قسوة،،  ففي شخصيته يلتقي الأستاذ الجامعي بالصحفي، والباحث بالحالم، والناقد بالإنسان الذي ما زال يؤمن أن الوطن يستحق البقاء مهما اشتدت العواصف.

في هذا الحوار مع جريدة الزمان، نحاول أن نقترب من كاظم المقدادي بعيداً عن الألقاب والسيرة الذاتية: من ذاكرة الطفل الذي نشر صورته الأولى في الصحف، إلى الأستاذ الذي يرى اليوم طلابه يقودون المشهد الإعلامي، ومن الغربة التي لم تنتزع منه بغداد، إلى المستقبل الذي ظل يطارده بالفكرة قبل أن يتحول إلى واقع..

 

بعد أكثر من نصف قرن مع الصحافة... ماذا يقول كاظم المقدادي عن ذلك الفتى اليافع الذي كان ونُشر أول موضوع له عام 1967؟

 

كنت في بداية المرحلة المتوسطة عندما نشرت أول مادة لي، أو بالأحرى أول صورة وتعليق، وكان ذلك عام 1967. كنا نسكن آنذاك في منطقة العطيفية ببغداد، وكنت معتادا على الذهاب إلى بستان الحاج طعمة في المنطقة في طريقي إلى المدرسة.

في أحد الأيام لفتت انتباهي نخلة غريبة وجميلة برأسين، فأعجبتني فكرتها والتقطت صورة لها. وكان لي صديق كردي اسمه سيروان، وهو من أرشدني إلى جريدة (التآخي) حملت الصورة ووضعتها في ظرف، وكتبت تحتها تعليقا عن الأخوة العربية الكردية، ثم ذهبت بها إلى الجريدة.

بعد ثلاثة أيام فقط، فوجئت بنشر الصورة والتعليق ،كانت فرحتي لا توصف، وشعرت أنني حققت إنجازا كبيراً، ومن شدة فرحي، طفت شوارع العطيفية على دراجتي، وأنا أحمل نسخة الجريدة التي نشرت فيها أول مادة لي.

كانت تلك اللحظة البسيطة بداية علاقتي بالصحافة، ومنها بدأت الخطوات الأولى التي قادتني إلى عالم الإعلام والصحافة، وأصبحت الصحافة مع مرور السنوات جزءا أساسيا من حياتي..

 

تبدو باريس حاضرة في ذاكرتك دائماً، لكن بغداد حاضرة في وجدانك... كيف يتقاسم المكانان قلبك؟

 

بغداد علمتني معنى المكان الجميل الذي ارتبطت به روحي، وكانت العطيفية، حيث نشأت، جزءا عميقا من ذاكرتي ووجداني. وأنا أحب بغداد كثيرا، فهي مدينتي التي ولدت فيها، ومنها بدأت الحكاية.

كانت بغداد أيضا التي هيأتني للذهاب إلى باريس، فقد منحتني منذ وقت مبكر مجموعة من الهوايات والمهارات التي وجدت طريقها لاحقا إلى الصحافة.

 تعلمت الخط والتصوير ومارست الرياضة، وكنت أجيد قراءة القرآن وترتيله في الصف، كما أحببت الزخرفة، وربما لم أدرك آنذاك أن هذه الهوايات المتفرقة ستشكل فيما بعد رصيداً مهماً في مسيرتي الصحفية؛ فالصحافة فيها التصميم والتصوير والعنوان والمانشيت والخط، وكل ما كنت أتعلمه وأمارسه كان يضيف لبنة جديدة في بناء شخصيتي.

وكان لأخي الأكبر دور في تعريفي بعالم الصحافة؛ إذ كان يقرأ الصحف، وكنت آخذها منه لأقرأها أنا أيضا، وهكذا اجتمعت تلك العوامل لتفتح أمامي الطريق نحو الصحافة، ثم نحو باريس.

أما باريس، فقد علمتني كيف أكون طالبا، وكيف أطور نفسي وأدواتي وأعتني بالمصادر.

ذهبت إلى جامعة السوربون، وكانت الدراسة هناك مختلفة؛ فهي تمنح الطالب مساحة واسعة من الحرية والوقت والبحث، بعيدا عن القيود التقليدية التي اعتدناها في الدراسات العليا.

وخلال ست سنوات أنجزت دراستي، فحصلت على الماجستيرعام ١٩٧٧ في موضوع الجانب النفسي من الإعلان السياحي، ثم الدكتوراه في موضوع التيارات الفكرية في الصحافة المصرية المهاجرة عام ١٩٧٩.

ولم تكن باريس بالنسبة لي جامعة فقط، بل كانت جامعة مفتوحة على الحياة والثقافة والفن.كما  كنت أحرص على حضور المعارض الفنية لكبار الرسامين العالميين، مثل بيكاسو وخوان ميرو ورينوار وسيزان وفان كوخ، وكنت أرسل إلى الصحافة العراقية رسائل وتقارير عن تلك المعارض، لأشارك القارئ العراقي ما كنت أراه وأتعلمه هناك.

لهذا تعني لي باريس قوة المعرفة وشجاعة الحقيقة. وقد علمتني قبل كل شيء أن أبني نفسي بنفسي، فقد ذهبت إليها على نفقتي الخاصة، ولذلك أعد تجربتي هناك سيرة عصامية بكل ما تحمله الكلمة من معنى..

 

هل تشعر أن الصحافة أنصفتك كما أنصفتها أنت؟

نعم، أستطيع أن أقول بكل اطمئنان إن الصحافة أنصفتني، والحمد لله. وأشعر بهذا الإنصاف كلما كتبت موضوعا أو مقالا، ثم وجدته ينتشر في المواقع والصحف العراقية، ويتداوله القراء والزملاء الصحفيون، بل إن بعض الزملاء يعيدون نشر ما أكتبه.

وهذا بالنسبة لي هو أجمل تقدير يمكن أن يحصل عليه الصحفي وهو أن يجد ما يكتبه طريقه إلى الناس، وأن يشعر بأن كلماته ما زالت حاضرة ومؤثرة، وأن ما يقدمه من جهد وخبرة لم يذهب سدى.

علمت أجيالاً من الإعلاميين، هل هناك درس تعلمته أنت من طلابك؟

الطلاب، نعم، أنا تعلمت الكثير من طلابي علموني كيف أكون مستعداً دائماً للوقوف أمامهم، وكيف أظهر أمامهم بأفضل صورة، وأن أكون أنيقاً في حضوري، والأهم من ذلك كله أن أعرف كيف أكون قريباً منهم، وألا أكون ثقيلاً عليهم.

وكان من أكثر الأمور التي تؤلمني أن أرى طالباً يعاني من الملل أو يتثاءب أثناء المحاضرة. بالنسبة لي، هذه إشارة إلى أن الأستاذ لم ينجح في جذب انتباه طلابه. لذلك كنت حريصاً على أن تكون محاضراتي فيها شدّ وانتباه وحيوية، وأن تكون هناك رغبة حقيقية من الطلاب في التعلم.

وأعتقد أن حضور الأستاذ أمام طلابه مهم جداً؛ فقد كنت أحرص على أن يكون حضوري قوياً ومؤثراً

ولذلك أقول إنني لم أكن أعلّم طلابي فقط، وإنما كنت أتعلم منهم أيضاً. فقد علموني أن الأستاذ الحقيقي عليه أن يطوّر نفسه باستمرار، وأن يبقى قريباً من الجيل الذي أمامه، لأن التعليم في النهاية ليس اتجاهاً واحداً من الأستاذ إلى الطالب، بل هو علاقة إنسانية متبادلة نتعلم فيها من بعضنا بعضاً

هل يخيفك أن تصبح جزءاً من ذاكرة الصحافة، أم يسعدك أن تبقى جزءاً من حاضرها؟

لا، الصحافة بالنسبة لي هي الذاكرة والحاضر معاً، وهي ذاكرتي كما هي حاضري.

 فأنا لا أتعامل معها باعتبارها مرحلة انتهت، وإنما أراها مسيرة مستمرة ما زلت أعيشها وأكتب فيها حتى اليوم.

وأتذكر أن أول موضوع كتبته في الصحافة العراقية كان بعد عودتي إلى بغداد من إكمال دراستي، حين عدت إلى الكلية وكان معي آنذاك عدد من الأساتذة، منهم جليل عطية وماجد السامرائي ونهاد نجيب وغازي فيصل، وكانوا قد دخلوا إلى الكلية من دون شرط المعدل أو شرط العمر.

وكان الأستاذ جليل عطية أقربهم إليّ، فضلاً عن أنه كان صديقاً لأحد إخوتي. وكان يكتب آنذاك في مجلة (ألف باء) بقلم (جهينة)، وكان كاتباً ساخراً، وكنت معجباً جداً بالقفشات التي يكتبها، وقد تعلمت منه الكثير في هذا الجانب.

وفي يوم من الأيام كلفني أن أكتب لجريدة (المجتمع) عن الأقسام الداخلية للطالبات في بغداد، التي كانت تقع في منطقة باب المعظم وكانت هذه الأقسام ممنوعاً علينا دخولها، ولا أعرف حتى الآن كيف تمكنت من الدخول إليها، لكنني دخلت وكتبت عنها.

وكان ذلك أول موضوع صحفي جريء ومتكامل أكتبه، ولذلك بقي في ذاكرتي إلى اليوم.

ومن هنا أقول إن الصحافة هي ذاكرتي وحاضري في الوقت نفسه. وكلما كتبت مقالاً أشعر أنني أضيف شيئاً جديداً إلى هذه الذاكرة، وأن ما أكتبه اليوم سيبقى جزءاً من تاريخ الصحافة العراقية كما بقيت كتابات وتجارب من سبقوني جزءاً من ذاكرتنا..

السخرية حاضرة في كتاباتك وحديثك... هل هي وسيلة مقاومة أم طريقة للتصالح مع الحياة؟

السخرية جزء من حياتنا، وليست مجرد وسيلة لإضحاك القارئ. والجاحظ، مثلاً، كان ساخراً في كتابه (البخلاء)، وكانت لديه سخرية شديدة وذكية في الوقت نفسه. ولذلك أعتقد أن السخرية يجب أن تكون حاضرة في حياتنا الصحفية، لأن المقال عندما يخلو تماماً من السخرية قد يفقد أحياناً جزءاً من قدرته على جذب القارئ.

ولهذا اهتم الصحفي المعروف داؤود الفرحان، رحمه الله، بالأدب الساخر، وأنا بطبيعتي أميل إلى السخرية وأتهكم أحياناً، ولذلك وظفت هذا الأسلوب كثيراً في مقالاتي.

وأيضا أمتلك نوعاً من السرد الصحفي المترابط والسريع، بحيث لا يشعر القارئ بصعوبة في متابعة النص، ويظل مشدوداً إليه من بدايته حتى نهايته. وقد وظفت هذا الأسلوب في كتابي (أوراق باريسية) الذي أنجزته عام 1983 وطُبع في باريس، ثم نُشر على مدى سنتين في مجلة (ألف باء) على شكل حلقات.

فالكاتب الساخر يراقب الحياة، ويفهمها، ثم يعيد تقديمها للقارئ بطريقة تجعله يبتسم، لكنه في الوقت نفسه يفكر. وهذه هي قيمة السخرية الحقيقية في الصحافة..

ما أكثر موقف إنساني ما زلت تتذكره من سنوات التدريس؟

هناك مواقف إنسانية كثيرة ما زالت عالقة في ذاكرتي، ولا سيما تلك التي عشتها  خلال سنوات التدريس ...                             

ومن أول المواقف التي لا أستطيع نسيانها قصة طالب كان معنا اسمه بلال، ففي عامي 2005 و2006، وهما من السنوات الصعبة التي مرت بها البلاد اختُطف بلال من أمام الكلية، وقد آلمني هذا الحادث كثيراً، حتى إنني كتبت عنه في جريدة           الزمان ، لأنني شعرت أن من واجبي أن أوثق ما حدث وأن أعبر عن ألمي تجاه طالب كان أمامنا ثم غاب بهذه الطريقة القاسية.

وهناك حادثة أخرى لا تزال تؤلمني، وهي اغتيال أحد أصدقائي خارج الكلية، وكان يدرّس الإعلام الدولي، وكان أيضاً من المدرسين الذين يميلون إلى السخرية في كتاباتهم وشخصيتهم.

كما أتذكر الأستاذ مؤيد الخفاف، وهو أستاذ إعلامي من الموصل كان معنا في الكلية، وقد تعرض لاعتداء من طلاب في كلية مجاورة، وضُرب بالكراسي أمام عيني.

هذه الحوادث الثلاثة تحديداً كلما تذكرتها أشعر بالألم من جديد ، وربما ما يجعلها أكثر رسوخاً في ذاكرتي أنها لم تكن أخباراً أقرأها في صحيفة أو أسمع عنها من بعيد، وإنما كانت أحداثاً رأيتها وعشتها، وارتبطت بأشخاص عرفتهم وعايشتهم.

عندما تخلو بنفسك، في أيهما تجد ذاتك الصحفي أم الأستاذ الجامعي أم الشاعر المختبئ بين الكلمات؟

بصراحة ليست لي علاقة بالشعر، ولا أعتبر نفسي شاعراً، لكنني أحياناً عندما أرى مشهداً مؤثراً أشعر بحاجة إلى الكتابة عنه، وقد تأتي الكلمات في شكل قريب من الشعر، لكنها في النهاية نثر.

أتذكر يوماً رأيت فيه طفلاً لم يتجاوز العاشرة من عمره، يحمل على ظهره كيسين كبيرين ممتلئين بعلب المشروبات الغازية وقناني الماء الفارغة التي يجمعها من الشارع، كان المشهد مؤلماً إلى درجة شعرت معها أن الكيسين المحمولين على ظهره هما اللذان يمشيان، وليس الطفل.

كتبت يومها:

«وطني، ما لي أراك تعباً صموتاً،

على رأسك الطير، فلا أنت محلق، ولا أنت قادر على السير.»

أنا أكتب النثر أكثر مما أكتب الشعر، ولا أنتمي إلى اتحاد الأدباء، ولا أعتبر نفسي أديباً، رغم أن لدي إصداراً في أدب الرحلات.

كما أنني اليوم بلا هوية اتحاد أدباء أو صحفيين، بعد تعليق عضويتي في نقابة الصحفيين، وهي النقابة التي أسسها الجواهري.

ولذلك وجدت نفسي أعود إلى فضاء آخر أشعر فيه بالانتماء، وهو نادي العلوية الذي أنتمي إليه، والذي تأسس عام 1964. هناك أجد أصدقائي وأقيم الندوات، وأحضر بطولات التنس، وفيه المسابح والمكتبة، وفي مكتبته أمهات الكتب.

أشعر أن النادي يمثل بالنسبة لي مساحة ثقافية واجتماعية ملائمة للبيئة البغدادية ولأهل بغداد، ولذلك ربما أصبح هو هويتي الاجتماعية والثقافية في هذه المرحلة؛ مكاناً ألتقي فيه بالناس، وأقرأ، وأحاور، وأستعيد شيئاً من روح بغداد التي عشتها وعشت معي.

كتبت عن الإعلام واستشرفت مستقبله مبكراً... هل ترى أن الذكاء الاصطناعي سيُعيد تعريف الصحفي، أم سيكشف قيمة الصحفي الحقيقي؟

الذكاء الاصطناعي عندما دخل إلى مجال الإعلام جاء في سياق تطور طويل في وسائل الاتصال، وربما لا ينتبه بعض الصحفيين إلى أن الإعلام ظل دائماً يلهث وراء التطور التقني في الاتصال.

وقد تناولت هذه المسألة في كتابي (تصدع السلطة الرابعة)، وهو كتاب منهجي صدر عام 2011. وأنا أؤمن بأنه لا يوجد إعلام بديل يلغي الإعلام السابق؛ فالإعلام السابق يبقى هو الأساس. ويمكن أن نسمي ما ظهر لاحقاً (الإعلام الجديد) وهو يطغى في مرحلة معينة، كما طغى التلفزيون والإذاعة في مراحل سابقة على وسائل إعلام أخرى، لكن في النهاية تأخذ كل وسيلة حقها وتشق طريقها.

أما الذكاء الاصطناعي، فهو في جانب كبير منه بنوك معلومات ضخمة، ويقدم للباحث مادة جاهزة خلال لحظات، في الوقت الذي كنا فيه سابقاً نحتاج إلى البحث والذهاب إلى شارع المتنبي للحصول على المصادر والمعلومات.

 الذكاء الاصطناعي، في رأيي قد يكون (غشاشاً) فهو يجمع من هنا ومن هناك، وقد يأخذ مني ومنك ومن غيرنا، من دون أن تكون الملكية الفكرية واضحة دائماً لصاحبها، وهنا تكمن المشكلة: هل ما يقدمه الذكاء الاصطناعي هو إنتاج جديد، أم إعادة تجميع لما كتبه الآخرون؟

ولذلك أعتقد أن الصحفي لن ينتهي بوجود الذكاء الاصطناعي، لكنه سيواجه امتحاناً جديداً،  فالصحفي الذي يمتلك المعرفة والقدرة على التحقق والتحليل وصياغة الأفكار سيبقى له دوره، أما الذي يعتمد فقط على الحصول على المادة الجاهزة فسوف يجد نفسه أمام منافس قوي.

وأذكر أنني كنت مهتماً بهذا الموضوع مبكراً، وكانت لي في بيت الحكمة ببغداد أول محاضرة تناولت فيها الذكاء الاصطناعي، لأنني كنت أرى منذ ذلك الوقت أن هذه التكنولوجيا ستفرض نفسها على مستقبل الإعلام.

 

لو عاد بك الزمن إلى بداية الرحلة، هل كنت ستختار الطريق نفسه؟

طبعاً، ومن دون أي شك، سأختار الطريق نفسه.

 فأنا منذ البداية هيأت نفسي لأكون صحفياً، وكنت أمتلك إلى جانب ذلك مهارات واهتمامات أخرى، مثل الخط والتصوير، إلى جانب هواياتي المختلفة وقدرتي على التعرف والاكتشاف.

كل هذه الأمور أسهمت في تكوين شخصيتي الإعلامية، ولذلك لم تكن الصحافة بالنسبة لي طريقاً عابراً، وإنما كانت اختياراً أعددت نفسي له منذ وقت مبكر.

وقد مارست الصحافة الورقية، وخضت تجربة البرامج التلفزيونية والإذاعية، وكل هذه التجارب في النهاية تصب في مجال واحد هو الإعلام.

ولهذا، لو عاد بي الزمن إلى الوراء، فلن أغير الطريق. سأختار الصحافة والإعلام مرة أخرى، لأنني أشعر أن كل ما تعلمته ومارسته طوال حياتي كان يقودني إلى هذا المكان..

 

ما الكتاب الذي تشعر أنه يشبهك أكثر من بقية كتبك؟

أعتقد أن كتابي (أوراق باريسية) هو الأقرب إلى شخصيتي، لأنه كان أول كتاب لي، وكتبت فيه حياتي وتجربتي. وقد تناول الكتاب الكاتب حمدي الطاهر في خمس حلقات، كما تناوله أيضاً الكاتب قتيبة الحميد، وهو من كركوك، في مقال عنه.

لكن هناك كتاباً آخر أراه قريباً مني من الناحية الفكرية، وهو «جدل الاتصال: استقراء الزمن الحقيقي»، ففيه انتقلت من الإعلام إلى فلسفة الاتصال. وقد كتبته أثناء إقامتي في إسطنبول، واستغرق مني إعداداً وجهداً كبيرين.

حضّرت لهذا الكتاب المصادر والمعلومات لمدة سنة كاملة، ثم بدأت الكتابة فيه، واستمر العمل عليه نحو سنتين، ولذلك أتعجب أحياناً عندما أرى البعض يصدرون كتاباً كل ستة أشهر، وأتساءل: كيف يحدث ذلك؟ فالكتاب يحتاج إلى قراءة ومصادر ومعلومات ووقت طويل حتى ينضج.

ولهذا أقول إن (أوراق باريسية) يشبهني لأنه يحمل حياتي وتجربتي، بينما (جدل الاتصال) يشبهني لأنه يمثل مرحلة من النضج الفكري والانتقال من ممارسة الإعلام إلى التأمل في فلسفة الاتصال.

هل تؤمن أن الغربة تمنح الكاتب رؤية أعمق؟

طبعاً، الغربة تمنح الإنسان رؤية أعمق، لأنها تجعله يعود إلى نفسه، ويلتجئ إليها، خصوصاً عندما ينتقل إلى بلد أجنبي لا يتحدث لغته ولا ينتمي إلى بيئته الثقافية.

وبالنسبة لي، كانت باريس تجربة استثنائية. إنها مدينة مذهلة، فيها أكملت دراستي، لكنها في الوقت نفسه كانت مدينة مهيبة ومخيفة في بداياتها. كنت أشعر أن الثقافة والمعرفة تتساقطان علينا فيها مثل المطر، وفي كل الفصول.

الغربة جعلتني أشعر وكأنني عدت طفلاً من جديد. كيف أتكلم؟ كيف آكل؟ كيف أتحرك؟ كيف أتعامل مع الناس؟ أشياء تبدو بسيطة جداً في وطنك، لكنها تصبح أسئلة حقيقية عندما تجد نفسك في بيئة جديدة تماماً.

وهذا بالضبط ما علمتني إياه الغربة أن أعتمد على نفسي، وأن أتعلم من كل شيء حولي، وأن أعيد اكتشاف ذاتي من جديد.

هناك من يعرف كاظم المقدادي الأستاذ، وآخرون يعرفونه الكاتب... من هو كاظم الذي لا يعرفه أحد؟

الأستاذية كانت مرحلة من مراحل حياتي، أما أنا فصحفي، وبقيت صحفياً. ولهذا عندما تقاعدت من الوظيفة الأكاديمية لم أتقاعد من الصحافة، بل واصلت الكتابة، ووجدت نفسي أعود أيضاً إلى الكتب التي كانت مؤجلة لدي.

كان لدي نحو خمسة عشر كتاباً مؤجلاً، بعضها كتبته عني أسماء عرفتها خلال مسيرتي، وبعضها كان يتناول حياتي وتجربتي ومقالاتي المنشورة في الصحف. ومن هذه الكتب كتاب كتبه زميلي عدنان الهاشمي، وكذلك كتاب للأستاذة فاطمة سلو تناولت فيه حياتي ومقالاتي وتجربتي الصحفية.

أما الكتاب الأخير، (روح المقالة)، الذي صدر قبل أيام للكاتب مهند النعيمي، فهو تجربة لها خصوصية عندي. فقد تعرفت إلى مهند من خلال المداخلات والتعليقات التي كان يكتبها على مقالاتي. ومن خلال متابعتي لما يكتبه شعرت أن لديه موهبة وقدرة، وأن بإمكانه أن يقدم شيئاً مهماً.

وهذا أيضاً جزء من دوري كأستاذ وإعلامي أن أكتشف المواهب وأنتبه إلى الأصوات الجديدة.

 وربما لهذا السبب لم أشعر يوماً بأنني غادرت الصحافة فقد غادرت الوظيفة الأكاديمية، لكنني بقيت صحفياً، وبقيت أتابع الكتابة والكتب والأجيال الجديدة التي تأتي بعدها.

 

ما الجملة التي تتمنى أن تُكتب عنك بعد عمر طويل، دون أن تكون مجاملة؟

أنا الذي في الحقيقة أكتب عن الكثيرين، وحتى عن المبتدئين، وأحرص على تشجيعهم. وأنا أتأثر كثيراً بما أراه أمامي، فإذا وجدت في شخص أو تجربة أو صورة شيئاً يستحق التوقف عنده، أشعر برغبة في الكتابة عنه.

ولا تعجبني الغيرة ولا التنافس غير الشريف. أما المنافسة الحقيقية فهي موجودة ومطلوبة وضرورية، لأنها تجعلنا نراجع أنفسنا ونطور أدواتنا ونقدم الأفضل.

كتبت مثلاً عن عذراء عبد الأمير، وهي ناشطة تهتم بالتعاون مع المستشفيات من أجل إجراء عمليات إنسانية ومساعدة الناس، كما كتبت عن جمانة ممتاز، وهناك نماذج أخرى أجد نفسي مدفوعاً للكتابة عنها عندما أرى فيها ما يستحق الاهتمام.

وأنتِ أيضاً، هدير الجبوري محاورتي الان، كتبت عنكِ عندما وجدت لك صورة أثرت بي،،  كانت في الصورة دلالة وإحساس وشيء كثير من الحزن يستحق أن يُقال، فدفعتني إلى الكتابة عنك.

أنا أعتني كثيراً بالنثر، وأؤمن بأن الكلمة النثرية تستطيع أن تحفظ الإنسان والتجربة والموقف، ولذلك ربما لا أبحث عن عبارة محددة أتمنى أن يكتبها الآخرون عني بقدر ما أبحث دائماً عن شيء يستحق أن أكتبه عن الآخرين

 

ماذا تقول اليوم لطلاب الإعلام الذين يدخلون المهنة في زمن السرعة والذكاء الاصطناعي؟

أقول لهم إن التدرج في الحياة مهم جداً، وإن هذه القفزات السريعة لا تفيد، سواء على مستوى الطلاب أو حتى على مستوى التدريسيين. الإنسان يحتاج إلى أن يتعلم خطوة بعد خطوة، وأن يبني معرفته وخبرته بالتدريج.

وحتى في خلق السماوات والأرض، يقول الله سبحانه وتعالى إنه خلقهما في ستة أيام. فهل كان سبحانه وتعالى عاجزاً عن أن يخلق ذلك في يوم واحد؟ بالطبع لا، ولكنه أراد أن يعلمنا معنى التدرج.

الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد الطالب والصحفي، لكنه لا يستطيع أن يمنحهما التجربة التي تأتي من القراءة والملاحظة والبحث والعمل والاحتكاك بالناس. لذلك أقول للجيل الجديد: لا تستعجلوا الوصول، ابنوا أنفسكم خطوة خطوة، لأن النضج لا يأتي بالقفز، وإنما بالتدرج..

 

إذا كان لكل إنسان صورة  يحتفظ بها في ذاكرته، فما هي الصورة التي تتمنى أن تبقى معك؟

أكيد لديّ عدة صور، لكن صورة طفولتي هي الأهم بالنسبة لي. لدي صورة وأنا في حديقة الأمة في بغداد، وكان عمري آنذاك نحو عشر سنوات.

هذه الصورة بقيت عالقة في ذاكرتي، ومؤخراً كتب عنها قحطان جاسم في بورتريه ضمن حقل الثقافة البصرية، وهو ما أعاد إليها حضورها في ذاكرتي من جديد.

واللافت أنني لا أعرف حتى الآن كيف وصلت إلى حديقة الأمة وأنا في ذلك العمر، ولا كيف التُقطت الصورة. كان في ذلك الوقت مصورون ينتشرون في الحدائق والمتنزهات لالتقاط صور الناس والأطفال، وربما كان أحدهم هو من التقط لي تلك الصورة.

لكنني كنت صغيراً جداً، ولذلك بقيت تفاصيل ذلك اليوم غامضة بالنسبة لي. ما بقي واضحاً هو الصورة نفسها؛ صورة لطفل في العاشرة، لم يكن يعرف أن السنوات ستحمله بعيداً، وأن ذلك الطفل سيصبح يوماً صحفياً وأستاذاً وكاتباً، وأن صورته الصغيرة ستبقى شاهدة على بداية حكاية طويلة مع بغداد والحياة..

 

لو طلبت منك أن تصف رحلتك بكلمة واحدة، فماذا ستكون؟ ولماذا

من الصعب جداً أن أصف هذه الرحلة بكلمة واحدة وذكرني سؤالك ب (شلون أوصفك وانت دفتر) أشعر أنني أمام دفتر كبيرحقا، لأن ما عشته وأنجزته ليس شيئاً يمكن اختصاره بسهولة.

رحلتي طويلة جداً وكبيرة، وكل ما أنجزته حتى الآن هو جزء من هذه الرحلة من بغداد إلى باريس، ومن الصحافة إلى التدريس، ومن الكتابة إلى البحث والتأليف، ومن التجربة المهنية إلى المعرفة.

لذلك يصعب عليّ أن أضع كل هذا المشوار في كلمة واحدة، لكن إذا كنت مضطراً لاختيار كلمة تختصر كل شيء، فسأقول: المعرفة قوة

هذه هي الكلمة التي أعود إليها دائماً، لأن كل ما وصلت إليه في حياتي كان مرتبطاً بالمعرفة، بالتعلم، بالبحث، وبمحاولة تطوير نفسي. وربما لهذا السبب أرى أن الرحلة، مهما طالت، لا تنتهي ما دام الإنسان ما زال يتعلم ويبحث ويكتشف.

 

وأخيراً... بعد كل هذا العمر مع الكلمة، ماذا تعلمت من الصحافة؟

 

الصحافة هي الحياة، وهي بالنسبة لي حياة كاملة. هي التي علمتني كيف أعيش، وكيف أتعامل مع الناس، وكيف أحاورهم وأفهمهم، وكيف أتعرف إلى الشخصيات التي ألتقي بها.

الصحافة علمتني أيضاً أن الحوار ليس مجرد أسئلة وأجوبة، وإنما هو معرفة بالشخص الذي أمامك. فعندما أحاور شخصاً، أحرص على أن أدرس شخصيته وأعرف أفكاره وتجربته، حتى أكون مستعداً للحوار ولا أكون ضعيفاً أمامه.

ومع مرور السنوات، أدركت أن الصحافة لم تمنحني مهنة فقط، وإنما منحتني طريقة في التفكير والتعامل مع الحياة. جعلتني أكثر قدرة على الإصغاء، وعلى فهم الناس، وعلى البحث عن الحقيقة من خلال الحوار والمعرفة.

 

 

 


مشاهدات 74
الكاتب هدير الجبوري
أضيف 2026/07/28 - 2:31 PM
آخر تحديث 2026/07/29 - 1:35 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 114 الشهر 31456 الكلي 15996582
الوقت الآن
الأربعاء 2026/7/29 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير