الماضي بعيون الحاضر
محمد زكي ابراهيم
لقد اعتدنا في العراق والبلاد العربية، أن نتعامل مع الماضي دون أي اعتبار للزمن، أو حساب للتغيير. وكأن ما أصاب العالم من تطور لم يحدث البتة، وما جرى فيه من حوادث لم يقع في يوم من الأيام.
مثل هذا المنظار يمثل إجحافاً بحق أولئك الذين عاشوا أيامئذ، وقضوا أعمارهم في العمل والاجتهاد، حتى أن البعض لا يتورع عن صب اللعنات عليهم، وكأنهم السبب في ما نحن عليه الآن، فالأحزاب والتيارات والمذاهب الفكرية التي كانت تحظى بالتأييد والإعجاب، ثم انحسر عنها المزاج الشعبي، ونسيها الناس، هي نماذج حية لهذا التغيير، وما زال أنصارها يتبادلون التهم في ما بينهم، بعد أن غابت عنهم هذه الحقيقة.
والواقع أن العراق كان بلداً منغلقاً على نفسه في السنوات الأولى من القرن العشرين، لم ينفتح على العالم، ويطلع على ما فيه من تطور، حتى بداية الربع الثاني منه.
ولم تكن الإدارات المحلية، في ما يعرف الآن بالأقضية والنواحي، تملك وجوداً أمنياً أو تعليمياً أو صحياً يذكر، وكان (الحاكم) المحلي – العثماني حاكماً شرفياً، لا يخرج من مقره في (القلعة) المحصنة، وهي محل سكناه، وسكنى بعض (الجندرمة) الذين يحرسونه، ومهمته الوحيدة هي جمع الضرائب وإرسالها إلى العاصمة، وتجنيد من يمكن تجنيده وقت الحرب.
أما الحياة اليومية بكل ما فيها من اقتصاد، ومصالح، وأمن، فتضطلع بها القبائل في ما بينها. حتى لو كان ذلك تحت قرقعة السلاح!
يروي جون سانت فيلبي أثناء تنقلاته في الأهوار الجنوبية عام 1916 أن منظر القلاع الطينية الضخمة، ذات الفتحات الدائرية الصغيرة، التي تقوم مقام النوافذ العادية، ويقف خلفها القناصون الذين يراقبون الوضع، وأيديهم على الزناد، كان مألوفاً على جانبي الجداول والأنهار، وقد أدرك ساعتها أن هذا البلد يعيش في حال حرب دائمة، أي أنه كان يفتقد الاستقرار المطلوب لحياة رخية توفرها أرض خصبة ومياه وفيرة، ومن الطبيعي أن شعباً يعيش جانب كبير من أفراده على هذا النحو، لا يمكن أن يتغير، أو ينتج أو يبدع، أو يسهم في رخاء وتقدم البشرية.
حينما جاء البريطانيون، ودحروا العثمانيين في جنوب العراق، شاهد (عرب) المنطقة الأوربيين لأول مرة. وكان أول عمل قام به هؤلاء هو رسم خرائط الملكيات الزراعية ، بعد أن وجدوا أنها السبب الرئيس للنزاعات المحلية، وكان الموظفون الأتراك قد حملوا معهم الوثائق والسجلات، ونقلوها إلى استانبول حال فرارهم من المكان، وهي ذاتها لم تكن تخلو من غمط لحقوق أناس، وتضخيم لملكيات آخرين، وكان تصحيح هذه الحال عملاً محفوفاً بالأخطار. فحينما شرع المساحون الذين تم استقدامهم من الهند، بعملهم في مكان شبه مفتوح، كان الرجال المدججون بالسلاح يحيطون بهم من كل جانب، تحسباً لأي غبن يمكن أن يطال ممتلكاتهم. ولم يغادروا المكان إلا بعد أن أدركوا أن مهمة هؤلاء المساحين هي رسم خرائط .. لا غير!
إن الاحتلال الأوربي لبلد مثل العراق له إيجابياته أيضاً، رغم أنه كان في الأصل احتلالاً توسعياً، انتقلت بموجبه عائدية العراق من إمبراطورية بني عثمان، إلى إمبراطورية بني وندسور، وموضع النفع فيه أنه أدخل أنظمة إدارية ومالية واقتصادية إلى بلد لم يكن يعرفها بالمرة، وأتاح للعراقيين الاطلاع على أسلوب حياة شعوب متقدمة، لم تخطر على بالهم في يوم من الأيام.
علينا أن لا ننظر إلى الماضي بعيون الحاضر، ونصمه بالبشاعة والجمود. فما جناه الناس منه، على تواضع ما فيه، لم يكن هيناً. وكان البلد في أمس الحاجة إليه في ذلك الزمان.