هروب درامي إلى الماضي
عقيل علي مشحوت
تتأرجح الدراما العراقية اليوم في مساحة حرجة بين نسيم الشاعرية الذي يداعب عواطف الجمهور وقضبان الواقعية التي توثق مرارة الذاكرة متحركة بين مطرقة توثيق الذاكرة وسندان تكرار الانماط المستهلكة. ولعل أبرز ما شغل الوسط الفني والجمهور مؤخراً على منصات التواصل الاجتماعي و المدونيين هو جائزة أفضل عملين مناصفة فهل أُنصف العملَين؟ والأهم هل نالا استحسان القلوب ورضا الجمهور قبل أن ينالا جائزة ( الهلال ) للمشاهير ومن هنا بدات حكاية الدراما المحلية تاخذ شكل فنيا وترجديا جديدة. هو ظاهرة «إسقاط الماضي على الحاضر» والتي تجلت بوضوح في عملين أثارا نقاشاً واسعاً «ليل البنفسج» و «اسمي حسن» ليقدما رؤيتين متناقضتين تماماً في التعامل مع الموروث الشعبي والتاريخ القريب. حين نتطرق إلى «ليل البنفسج» نجد أن الكاتب بنى صراعه الأساسي على عادات بالية مثل «الفصلية» وهي القضية التي تجاوزها المجتمع العراقي بعد أن أكل عليها الدهر وشرب محاولاً التحرر من تركتها الأليمة. هذا الاستدعاء لـ «الفصلية» صدم جيل الشباب الذين استهوتهم شاعرية العنوان وحين قادهم الفضول للبحث الرقمي لم يجدوا في أرشيف هذه العادة سوى صدى صرخة الفنان عبادي العماري وهو يندد بها مستنكراً في طوره الشجي «جابوها غصب للدار» متسائلاً عن ذنب تلك الفتاة الضحية. وهنا يتضح أن النص واجه تحدياً كبيراً في صياغة حبكة درامية تقدم هذه القضية التراثية وكأنها واقع مستخدماً إسقاط الماضي كذريعة للتبرير لا كأداة للحل.
ولم يقتصر الارتباك على النص، بل امتد للرؤية الإخراجية إذ قيدت الأدوات الإخراجي لمخرج العمل داخل أسوار تجربتة الشهيرة في «ولاية بطيخ»، ناقلةً ذات الأجواء والأداء والفنانين إلى عمل تراجيدي. وتجسد هذا التباين في شخصية « أبو سعدية» التي استحضرت نمط « العيارين « في بغداد أيام الدولة العباسية، لكن التوظيف .جاء يفتقر إلى العمق والضبط، فتراوح العمل بين التراجيديا والكوميديا، وتخللته مشاهد رقص غير مبررة أسهمت في إرباك تسلسل الأحداث وتصاعدها. على الجانب المقابل يقدم «اسمي حسن» نموذجاً ناضجاً في توظيف التاريخ. لم يكن إسقاطاً بارداً بل معايشة حية نجح فيها صناع العمل في نقلنا إلى محطات الاعتقال ومرارة سنوات المحنة التي طرقت أبواب معظم البيوت العراقية. القصة اختزلت آلاف الحكايات التي بقيت حبيسة جدران السجون وذاكرة الضحية والجلاد معاً. وجاء الختام ليتوج هذا التميز حيث أضفت أغنية «دادة حسن» إيقاعاً شجياً ربط جيل اليوم بمكتبة الغناء الأصيل ليعيد إلى الأذهان عمق أغنية «ليل البنفسج» الأصلية، مانحاً العمل بصمة درامية متفردة هزت المشاعر. تضعنا هذه المقارنة أمام تساؤل . مشروع للكتاب النصوص لماذا هذا الهروب المستمر نحو إسقاطات الماضي؟ هل عقم الأفكار أم جرح لم يلتئم؟ أم أن ظروف البلد وحكايته المعاصرة لم تكتمل فصولها بعد ليرى المواطن تفاصيلها بوضوح على الشاشة؟ . و لربما لجأ صناع الدراما في الآونة الأخيرة إلى ارث الأغاني القديمة لاستلهام الإلهام، فظهر لنا «ليل البنفسج» و «دادة حسن « ياترى متى نرى أعمالاً جديدة تُكتب لـ « ديرة حمد « تنبض بروح الحاضر، وتلامس واقعنا بصدق، لنجد أنفسنا نرددها بكل شغف ونقول لصناعها إعزاز والله إعزاز .